Share Button

 

بدأ الاسلام بثلاثة رجال وامرأه وغلام كأنها كل أطوار البشرية في وجودها تمثلت في هذه الكوكبة المؤمنة وظل النبي صلي الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما لا يري من قومه إلا الإيذاء والقبح والشر المستطير وهو ثابت كالطود الشامخ لا يعتريه القنوط فهو المستغني عن البشر جميعا بربه القوي بإيمانه في ثبات ورشد ومقاومه للشر وحمل للناس علي الخير وان تمسكوا بالباطل فها هو صلي الله عليه وسلم يعلنها مدويه حاسمه وهو يرد علي عرض عمه أبي طالب الذي رجاه أن يلين فلا يحمل نفسه ولا يحمله ما لا يطيقان في مواجهه طواغيت الكفر بمكه فقال :
لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علي أن أترك هذا الأمر ماتركته حتي يظهره الله أو أهلك دونه .
ثم استعبر صلي الله عليه وسلم فبكي ويالها من دموع غالية لقد ثبت أن نفس النبي السامقة لن ترضي ولو بذهب الأرض وإذا وضعت الشمس في يد والقمر في أخري ذلك أن اليقين الذي ملأ نفس الحبيب وكيانه لهو دليل صدقه وحكمته ودليل قوة هذا الدين فلم يكن الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم من الساسة أو المصلحين أو الفلاسفة أو المناطقة يُقبل منه ما يقبل من أصحاب هذه الدعوات ولا رجل يبتغي الشهرة والدنيا ولا ملك يغلب بطشه وسطوته ولكنه رجل من السماء في الأرض دعوته إطلالة من علياء السماء علي حمأه الأرض تسمو بالنفس وتعلو بالروح وترتقي بالبشرية كان تدبير الله لنبيه بعد الضيق والمحاصرة والجمود والمطاردة والايذاء المستمر والمياه الراكده الآسنة الآجنة أن يأتي الفرج وكأن أنوار السماء قد انبجست بصدره ثم أشرقت في جنبات نفسه قبل أن تملأ الدنيا نورا وهدي وتفيض ضياء وتبعث الأمل والرجاء كان لابد من هجرة لتكون بداية الإنطلاق علي إطلالة واسعة علي الدنيا بأسرها والواقع أن معني الهجرة _ أية هجره _ ليس إلا إهدار المصالح والتضحية بالأموال والنجاة بالشخص فحسب مع الإقرار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها فهو يسير نحو مستقبل مبهم لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان
( يراجع كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمان المباركفوري)
وبينما قريش تدبر لقتل النبي العظيم في خسة ونذالة بتدبير شيطاني وقد طوق أكابر مجرمي قريش بيت النبي وتزعم ذلك أحد عشر رئيسا من صناديد الكفر وجمعوا كتيبة من أربعين فتي جلدا من قبائل شتي حتي يتفرق دمه بين القبائل وتدول دولته وتنتهي دعوته للأبد وبينما هم كذلك إذ مر عليهم الحبيب المصطفي كالأسد الرئبال شامخا شموخ الجبال يغبر رءوسهم و وجوههم بحفنات من تراب البطحاء وهو يذره عليهم في استهزاء وتحد واضحين فلما أفاقوا جُن جنونهم واشتعلت نيران غضبهم فانطلقوا في ملاحقة مسعورة بعد أن دقوا طبول الحرب يريدون الإمساك بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن هيهات فهو المعصوم .
و وسط هذه الظلمات يترك النبي الأمين صلي الله عليه وسلم عليا إبن أبي طالب بفراشه ليخادعهم من ناحيه وليؤدي أمانات قريش كاملة لأهلها من ناحية أخري وهو المطارد بعد أن استلبت مكة كامل أمواله وأموال أصحابه ليضرب بذلك أروع المثل في الأمانة حتي في أحلك اللحظات أن للهجرة دروسا عظيمة .
فهي أظهرت أولا فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس فمن علامات قيادته الرشيدة لأصحابه أنه يسهر ليناموا ويتعب ليستريحوا ويجوع ليشبعوا
كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم فمن سلك سنن الرسول مع صحابته في حياته الخاصة والعامة وشارك الناس في أفراحهم و أتراحهم وكان عمله لوجه الله تعالي أصابه شئ من هذه الحب إن كان من القادة أو المسئولين
(كتاب الهجره النبويه لأبي فارس ص ٥٤)
ثانيا ستبقي الهجره لتعبر بطلاقة عن الصراع الدائم بين الحق والباطل فهو صراع قديم ممتد وهو سنه إلهية نافذة والغلبة فيه والعاقبة للحق

ثالثا كانت الهجرة للحبشة بحثا عن مأمن بينما كانت الهجرة للمدينه بحثا عن الأمن والإيمان
رابعا ستبقي عبرة الخُلق المتين من أروع العبر إذ كان الإخاء بين الأنصار والمهاجرين تجربه أسطورية لم يعرف لها التاريخ مثيلا فبينما أظهر الأنصار الإيثار في أروع صورة قابله المهاجرون بالتعفف في أجمل تجلياته فهذا عبد الرحمن ابن عوف يقول دلوني علي السوق ويرفض كل مساعده قدمت له ويتاجر ليصبح أغني تجار المدينة علي الإطلاق

خامسا يطل علينا من عبر الهجرة درس التنظيم الدقيق الرائع الذي ماكان للهجره أن تنجح إلا به
سادسا ستظل قيمه الايمان بالله واصطحاب معيته قيمه راسخه في وجداننا لخصتها كلمات النبي العظيم وهو يقول لابي بكر ماظنك باثنين الله ثالثهما

سابعا سيبقي درس الأخذ بالأسباب واستنفادها درسا رائعا

ثامنا كما أظهرت الهجرة أن النبي صلي الله عليه وسلم حين ذهب يطلب من الطائف النصرة مستنفدا كل الأسباب المادية فلم يحصلها جاءت النصرة عطاء من الله يسعي برزق تأييدي من حيث لا يحتسب فكانت العقبة الأولي والثانية والثالثة ثم الهجرة

تاسعا اليقين بما في يدي الله بعد أن أضحت الصورة مفزعة بهذا التدبير الذي بلغ أقصي مداه من الإجرام والبشاعة ولكن أين هؤلاء جميعا بصولهم وصولجانهم من قدر الله جبار السموات والأرض القاهر فوق عباده والغالب علي أمره والمدبر لنبيه والناصر لرسوله ولا يعلم جنود ربك لفرط كثرتهم إلا هو .
وقد تجلي في دعائه حال خروجه من مكه إذ قال الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئا اللهم أعني علي هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني و لك فذللني وعلي خُلقي فقومني وإليك فحببني وإلي الناس فلا تكلني رب المستضعفين وأنت ربي أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض وكُشِفت به الظلمات وصلح عليه الأولون والآخرون أن تِحل عليَّ غضبك أو تُنزل بي سخطك أعوذ بك من زوال نعمتك وفجأه نقمتك وتحول عافيتك وجميع سخطك لك العتبي عندي خير مااستطعت ولا حول ولاقوة إلا بك ( يراجع كتاب السيره النبويه لابن كثير٢٣٠/٢ -٢٣٤)
ثم وقف النبي عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال والله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلي الله ولولا أني أخرجت منك ماخرجت
(الترمذي كتاب المناقب باب فضل مكه ٧٢٢/٥ )
وهكذا فإن الرسول العظيم صلي الله عليه وسلم وهو صاحب أشرف دعوة ما كان يمكن أن يستمد السلطان إلا من ربه ولا يمكن أن يمشي أو يضرب في فجاج الأرض إلا بقوة الله وما كان يمكن أن يستظل بملك أو صاحب جاه لينصره ويمنعه اذ رغم كل الاسباب التي اتخذها فإنه لم يرتكن إليها مطلقا وانما كان كامل الثقة في الله عظيم الرجاء في نصره وتأييده دائم الدعاء والاتصال به من عونه مباشره واللجوء الي حماه .
إن الفكرة النبيلة التي يحملها الإسلام قد تغزو قلوب الملوك والسلاطين فيصبحون لها عونا وخدما ومناصرين فينجون وبها يرتفعون ولكنها لا يجديها نفعا أن كانت من خدمهم وأدواتهم ومطيتهم فهي من أمر الله الديان وهي بهذه الصفة أعلي من كل ذي قوة أو سلطان هكذا كان النصر المؤزر من عند الله وكانت الهزيمة النكراء والذل والصغار لأعداء الحق الذين أرادوا أن يطفئوا نوره وهيهات فستظل كلمه الله ورسوله هي العليا أن الصراخ في أذن السادة في مكة الذين كان العرب يتهيبونهم كان ضرورة حتمية فشاء الله أن يكون البعث في مكة إذ لم يكن للمدينه ساعتها خطرها في الوجود العربي مثلما كانت مكة المهابة من العرب جميعا في حين قدر الله أن تكون النصرة للدين في المدينة حتي يستقر في الأذهان أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق الإنتماء لهم وليس العكس
وأخيرا فان قناعتي الراسخة أن التمكين لهذه الأمة و إعادة مجدها وعزتها منوط بمتابعه هدي نبيها العظيم صلي الله عليه وسلم و السير علي نهجه و اتباع أقواله و أفعاله و امتثال أوامره و اجتناب نواهيه و التأدب بآدابه حتي يعود لهذه الأمة مجدها السالف و عزها الغابر و حتي تستطيع أن تنقذ العالم من دياجير ظلمه بهدي النبي العظيم صلي الله عليه وسلم

🌹 المستشار عادل رفاعي 🌹

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *