Share Button

 

إذا كان الثابت يقيناً أن الله تعالي بوحيه إلي آدم عليه السلام قد أعطي إشارة البدء للنبوة أن تغمر بأنوارها المسيرة الإنسانية و قد كان ذلك مقترنا بلحظة استخلاف الله للإنسان و تكليفه إياه
و من المقطوع به أن الدراسات الآثارية و الحضارية تكاد تُجمع علي أن حضارة مصر هي أقدم و أعرق الحضارات قاطبة و أن لها قصب السبق في الرسالات السماوية و هو ما يقف شاهدا علي أن حضارتها قد امتزجت بالدين الإلهي و التوحيد الديني الأمر الذي جعلها بحق أم الدنيا و الدين
“يراجع كتاب في فقه الحضارة الإسلامية للدكتور محمد عمارة طبعة مكتبة الشروق الدولية عام ٢٠٠٣ ص ٢٢٥”
و من أجل ذلك نشأ علي أرض مصر عدد من الأنبياء كما لجأ إليها عدد آخر و اليوم نلتقي مع يوسف الصديق ابن يعقوب عليهما السلام إذ جيئ به إلي مصر بعد أن التقطته قافلة من المديانيين و باعته إلي قافلة من الإسماعيليين الذين باعوه إلي قائد شرطة عاصمة الهكسوس “صان” و فيها سطر القدر ليوسف قصة هزت ضمير العالم و كان ذلك في عهد الأسرة الخامسة عشر في حكم الهكسوس التي يبدأ حكمها من ١٦٧٥ قبل الميلاد إذ كان دخوله مصر في سنة ١٦٠٠ قبل الميلاد
ثم لحقه بعد ذلك نبي الله يعقوب الذي عاش معه بمصر و بصحبته أحد عشر شقيقا من بنيه الأسباط عام ١٦٢٧ قبل الميلاد و عاش بها سبعة عشر عاما
و الواقع أن ما وقع ليوسف بمصر قصةٌ قلب كبير من الفطرة الأزلية السرمدية كانت خلائقها الروحانية هي الشاهد علي أن في دنيانا نسائم من فراديس الجنان و لقد كان قلب يوسف الصديق معرضاً أن يخمد من لفح اليأس من كثرة الخيانات و توالي الطعنات إلا أن الله عصمه بنفس واثقة و روح مطمئنة و قلب راضٍ بقضاء الله و نصره لأنه قلب نابض بكل معاني الحب و الحياة لأنه لم يخلق ليموت و كيف يموت و هو مقدود من صخر الوجود ؟؟
إن يوسف مع أبيه قد صادفا صنوفا من المحن و الإبتلاءات منها محنة كيد الإخوة و محنة الجب و الخوف و الترويع في جنباته المظلمة و محنة الرق و هو يتنقل بين أيادٍ و أشخاص كالكلأ المستباح علي غير إرادته و دون رغبته بعيدا عن رعاية أهله ثم محنة امرأة العزيز و في طياتها محنة النسوة و من قبلها محنة الإغراء و الإغواء و الفتنة المستعرة المحمومة و محنة السجن بظلماته و أغلاله بعد رغد العيش في القصور ثم في النهاية محنة من نوع آخر هي محنة السلطة المطلقة إذ صار المتحكم في أقواتهم و أرزاقهم و طعامهم ثم محنة المشاعر البشرية و هو يلقي من إخوته حقداً و حسداً و غيرة و إجراما
كان السبب المباشر لتلك المحن و القوارع و الصبر الطويل ثم الإنتصار بعد الإنكسار
و لقد قدمت لنا القصة نماذج بشرية متنوعة و قد أفرزت نموذج الوالد المحب الملهوف علي ولده و الذي عصمته النبوة من السقوط في هوة المشاعر السلبية بشكلٍ يُغضب السماء
ثم نموذج أخوة يوسف و بواعث الغيرة و هواتف الحسد و الحقد و المغامرة و الكذب و المناورة
ثم نموذج امرأة العزيز بكل غرائزها و رغائبها و اندفاعاتها و استهتارها
ثم نموذج النسوة من الطبقة العالية المترفة
ثم نموذج العزيز في رخاوته و ميوعته و ضعف النخوة لديه
ثم نموذج الملك الموحد بعد أن آمن برسالة التوحيد
كل هذا التنوع في عرض الأشخاص علي مسرح الأحداث و أنت تجد نبي الله يوسف علي شخصية واحدة بملامح ثابتة فهو صامد كالطود الشامخ و كالجبل الأشم فهو كان و لما يزال التقي النقي الذي حفظ مواثيق الشرف التي ورثها من آبائه ملتحفا بالعفة ذاكراً حرمة البيت الذي آواه و أكرم مثواه و رغم ما ألم بساحته إلا أنه ظل النبي الذي عُنِيَ بدعوة التوحيد و ظل يعمل على نشرها في ربوع مصر و قد عاونه في ذلك نبي الله يعقوب ثم أبناؤه الأحد عشر المعروفون باسم الأسباط
و لقد رصد الباحثون أن رايات دعوة التوحيد الديني ازدهرت كأثر من آثار النبوات و الرسالات السماوية ففي مناجاة أمنحتب الثالث من عام ١٣٦٠ حتي عام ١٣٩٧ قبل الميلاد إذ ورد بها ما نصه :

لله الواحد الأحد
أيها المُوجِد دون أن تُوجَد
مصورٌ دون أن تُصَوَر
هادي الملايين إلي السبل
الخالد في آثاره التي لا يحيط حصر ”
كما تبدي في رسالة التوحيد التي دعا إليها أمنحتب الرابع “إخناتون” من عام ١٣٤٩ إلي ١٣٧٠ قبل الميلاد
إذ جاء بها
“أنت إلهٌ أوحد لا شبيه لك
لقد خلقت الأرض حسبما تهوي أنت وحدك
خلقتها ولا شريك لك
أنت خالق الجرثومة في المرأة
و الذي يذرأ من البذرة أناساً
و جاعل الوليد يعيش في بطن أمه
مهدئا إياه حتي في الرحم
و أنت معطي النفس حتي تحفظ الحياة علي كل إنسان خلقته
حينما ينزل من الرحم في يوم ولادته
و أنت تفتح فمه تماماً
و تمنحه ضروريات الحياة
“يراجع كتاب إخناتون للدكتور عبد المنعم أبو بكر طبعة القاهرة ١٩٦١”
و كذلك الأمر عند رمسيس الثاني من ١٢٢٣ حتي ١٢٩٠ قبل الميلاد
و هو الذي أخذ العلم و الحكمة و الأخلاق من تراث نبي الله إدريس عليه السلام
و في ذلك يقول الله تعالى :
“كذلك مَكّنا ليوسف في الأرض يتبوء منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء و لا نضيع أجر المحسنين” (يوسف ٥٦)
و قال تعالي :
” أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق إلها واحداً و نحن له مسلمون” (البقرة ١٣٣)
من أجل ذلك كان التاريخ المصري مع النبوات و الرسالات و مع عقيدة التوحيد هو أقدم و أعرق تاريخ لوطن من أوطان الدنيا مع الرسل والأنبياء
لذلك كان دخول أهل مصر أفواجاً تحت ظلال هذه العقيدة السامية عندما أهلت عليهم في أرقي صورها تنزيها و تجريدا فاستراحت لها العقول و اطمأنت لها القلوب فكان العطاء المصري في ظلال هذه العقيدة إمتداداً للعطاء التاريخي لمصر العظيمة تحت رايات النبوات و الرسالات .

المستشار : عادل رفاعي 🌹❤️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *