Share Button

 

لقد أنبأنا التاريخ أن ما بقي لنا من قصص الأولين و الآخرين لا يوحي بأن العمق الحضاري و السبق في التمدين الدنيوي اللذين تميزت بهما مصر قبل سائر الحضارات إنما كانت لهما عروة وثقي لعلم النبوة الذي جاءها به الأنبياء ، فمنذ فجر البشرية تميزت الرسالة التي شَرُفت بها مصر و علوم الحكمة و التمدن و السياسة المدنية و علوم الكون الأرضية .
إن النبوة بدأت بآدم عليه السلام أبو البشرية ثم تلاه ولده شيث و منذ حياة آدم في فجر التاريخ حفظ الله مصر العظيمة كنانته في أرضه لتبدأ علي أرضها و تنشأ علي ترابها الرسالة الدينية ففي ربوعها و انطلاقاً منها كانت بعثة نبي الله إدريس الذي مثل في سلسلة النبوة ثالث الأنبياء و الذي عاش و بُعِثَ في حياة آدم عليه السلام
و اذا كان آدم عليه السلام قد وقفت علاقته بالشرائع الإلهية عند النبوة فقط إذ لم يكن رسولا
و إذا كان هذا هو حال شيث عليه السلام أيضا فإن وضع النبي إدريس عليه السلام كان متميزا فهو معدود ضمن الأنبياء و المرسلين و هو بذلك يكون أول المرسلين قاطبة و يكون من مصر أول المرسلين من قبل الله رب العالمين .
لقد حفظ لنا التاريخ ذكر مصر العظيمة باعتبارها مهد الديانات و التي احتضنت أولي و أقدم رسالات السماء إلي البشر علي يدي النبي الرسول إدريس عليه السلام
و لقد حدث القرآن الكريم عن إدريس عليه السلام فقال :
“و اذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا و رفعناه مكانا عليا”
و قال :
“و إسماعيل و إدريس و ذا الكفل كلٌ من الصابرين”
و قال :
” و أدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين” .
و في الصحيحين من حديث الإسراء أن رسول الله محمدا إبن عبدالله صلي الله عليه وسلم قد مر بالنبي إدريس في السماء الرابعة في رحلة المعراج ضمن من مر بهم من الرسل و الأنبياء .
و لقد تحدث العلماء أن إدريس كان أول من أُعطيَ النبوة بعد آدم و شيث عليهما السلام
* يراجع كتاب البداية و النهاية للعلامة ابن كثير *

هذا و قد أورد العلامة محمد ابن أحمد ابن اياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور أن الإمام الكسائي قال :
لما رفع الله النبي إدريس عليه السلام إلي السماء الرابعة و علمت الملائكة أنه لا يبرح منها قالت :
إلٰهنا و سيدنا و مولانا ما كان هذا العبد أن يصير في مقام الملائكة المقربين و من صفته الخطأ فقال الله لهم :

إنكم عيرتم بني آدم بفعلهم فلو ركبت فيكم ما ركبت فيهم من الشهوة و قدرت عليكم ما قدرت عليهم من الخطايا لفعلتم أعظم من فعلهم ،
فكان ما كان و ما وقع للملكين هاروت و ماروت و بعد أن سقطا في بئر الخطيئة و لحقهما عارها و غضب الله عليهما فلم يجدا بداً من اللجوء إلي نبي الله إدريس ليطلبا إليه الشفاعة عند الله تعالي لقربه منه
فشفع لهما فخيرهما الله بين عذاب الدنيا و عذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا .
* يراجع كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور للعلامة محمد ابن أحمد ابن اياس *

و غني عن البيان أن إدريس أتاه الله النبوة فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم و شيث
و قد ذكر ابن إسحاق أنه عاصر آدم عليه السلام و أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة و ثماني سنين .
و لقد تحدث الذين أَرَّخوا للحكمة و الحكماء و منهم القفطي و جمال الدين أبو الحسن علي إبن يوسف صاحب كتاب تاريخ الحكماء و ابن جلجل داود ابن حسان صاحب كتاب طبقات الأطباء و الحكماء و قد تحدثوا عن الأبعاد العلمية و الحضارية في رسالة إدريس النبي فقالوا :
” إنه دعا إلي دين الله و القول بالتوحيد و عبادة الخالق و تخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا كما حض علي الزهد و العمل بالعدل و حرم المسكرات و ظل يدعو إلي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و طاعة الله و رسم لهم تمدين المدن و علم العلوم و هو أول من استخرج الحكمة و علم النجوم بعد أن أفهمه أسرار الفلك و الكواكب و عدد السنين و الحساب و بالبحث تبين أن إدريس عليه السلام ترجع إليه جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان و هو أول من خط بالقلم و علم أسرار الحروف و أول من تكلم في الجواهر العلوية و الحركات النجومية
و قد ثبت أيضاً أنه أول من أَلَّف قصائد موزونة في الأشياء الأرضية و السماوية و حتي يخلد هذه العلوم و يحفظها من غوائل الدهر و من أفات النار و الطوفان بني الأهرام و صور فيها جميع الصناعات و الآلات و رسم فيها صفات العلوم حرصاً علي تخليدها و حفظها من بعده خيفة أن يذهب رسمها من العالم .

و لله در أحمد شوقي أمير الشعراء حين أنشد في رائعته علي سفح الأهرام يقول :

قف ناجِ أهرام الجلال و ناد
هل من بُناتك مجلس أو ناد ؟
قل للأعجايب الثلاث مقالة
من هاتف بمكانهن و شاد
لله أنت فما رأيت عن الصفا
هذا الجلال ولا علي الأوتاد
لكِ كالمعابد روعة قدسية
و عليكِ روحانية العباد
أسست من أحلامهم بقواعد
و رفعت من أخلاقهم بعماد
قُمْ قَبِّل الأحجار و الأيدي التي
أخذت لها عهداً من الآباد
و خذ النبوغ عن الكنانة إنها
مهد الشموس و مسقط الآراد
أمُ القري _ إن لم تكن أمَ القري
و مثابة الأعيان و الأفراد
ما زال يغشي الشرق من لمحاتها
في كل مُظلِمةٍ شعاعٌ هادي

و كما أفاء الله تعالى علي آدم فعلمه الأسماء كذلك أوحي إلي النبي إدريس علوم الحكمة و التمدن و السياسة المدنية و حقائق العلوم فعلمها للمصريين لتتواصل ومضات التوحيد الديني علي عبقرية العلوم المدنية علي أرض مصر جيلا بعد جيل صعودا تارة و هبوطا تارة أخري

و لله در أمير الشعراء إذ أنشد في رائعته مصر فقال :
أيها الكاتب المصور صور
مصر بالمنظر الأنيق الخليق
إن مصراً رواية الدهر فاقرأ
عبرة الدهر في الكتاب العتيق
ملعب مَثََّلَ القضاء عليه
في صبا الدهر ‘آية الصديق’
و امِّحَاءَ ‘الكليم’ آنست ناراً
و التجاء البتول في وقت ضيق
و منايا ‘منا’ ‘فكسري’ فذي ‘القرنين’
فالقيصرين ‘فالفاروق’ دولٌ لم تَبِد و لكن توارت
خلف ستر من الزمان رقيق
روضة إزينت و أبدت حُلاها
حين قالوا ركابكم في الطريق
مثل عذراء من عجائز ‘روما’
بشروها بزورة البطريق
ضحك الماء و الأقاحي عليها
قابلته الغصون بالتصفيق
زرتها و الربيع فصلا فَخَفَّت
نحو ركبيكما خفوف المشوق
فانزلا في عيون نرجسها الغض
صيانا و فوق خد الشقيق

المستشار : عادل رفاعي 🌹❤️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *