Share Button

 

قال تعالي

وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [ الحشر: 9]”.

فالإيثار ضد الشُح و المؤثر علي نفسه تارك لما هو محتاج إليه و الشحيح حريص علي ما ليس بيديه فإذا جُعل بيديه شيء شح عليه و بخل بإخراجه
فالبخل ثمرة الشُح و الشُح يأمر بالبخل
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “إياكم و الشُح فإن الشُح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا و أمرهم بالقطيعة فقطعوا” صحيح أخرجه مسلم”. ٥٦

فالبخيل من أجاب داعي الشُح و المؤثر من أجاب داعي الجود، كذلك السخاء عما في أيدي الناس و هو أفضل من سخاء البذل و هذا المنزل هو منزل الجود و السخاء و الإحسان و سُميّ بمنزل الإيثار لأنه أعلي مراتبه
و المراتب ثلاثة :
إحداها أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة السخاء و الثانية أن يعطي الأكثر و يُبقي له شيئاً أو يبقي مثل ما أعطي، فهو الجود
و الثالثة أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه و هو مرتبة الإيثار و عكسها الأَثرة و هي استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه، و هي المرتبة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتي تلقوني علي الحوض) صحيح أخرجه البخاري ٣٧٩٣”.
و الأنصار الذين وصفهم الله تعالي بالإيثار لأنهم ضربوا أروع الأمثلة في البذل و العطاء و الجود و السخاء و الإيثار فوُصِفوا بأعلي مراتب السخاء و كان ذلك فيهم معروفا
و في ذلك يقول الله تعالى:

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) الحشر ٩”.

و كان قيس بن سعد بن عبادة من الأجواد المعروفين ، حتي أنه مرض فاستبطأ إخوانه في الزيارة فسأل عنهم ؟
فقالوا إنهم كانوا يستحيون مما كان لك عليهم من الدين فأمر مناديا ينادي من كان لقيس عليه مال فهو منه في حِل فما أمسي حتي كُسِرت عتبة بابه لكثرة من عاده، و سُئِل يوماً هل رأيت أسخي منك ؟
قال نعم، نزلنا بالبادية علي رجل فجاء بناقة فنحرها و قال شأنكم فلما كان من الغد جاء بناقة أخري فنحرها فقلنا: ما أكلنا من التي نُحِرت البارحة إلا اليسير
فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت
و حبسنا المطر عنده ثلاثة أيام و هو يفعل ذلك
فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته و قلنا لإمرأته اعتذري لنا إليه و مضينا فما طلع النهار إلا و رجل يصيح خلفنا:
قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ؟
ثم أنه لحقنا و قال:
لتأخذنه أو لاطاعننكم بِرُمْحِي! فأخذناه و انصرف.
و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي صفوان بن أمية مائة من الإبل ليؤلف قلبه حتي يُسلِم فلما وجده واقفاً ينظر مشدوها إلي أحد شعاب حُنين و قد مُلِئ إبلاً و شياها، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياه فأشرق وجهه و شهد الشهادتين و كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطي نفراً من قريش ليؤلف قلوبهم فقال صفوان:
إن الملوك لا تطيب نفوسها بمثل هذا،
ما طابت نفس أحد قط بمثل هذا إلا نبي.
و عندما وجد الأنصار عطاء النبي صلى الله عليه وسلم علي هذا النحو، وجدوا في أنفسهم و قال بعضهم لبعض:
لقد لقي النبي صلى الله عليه وسلم قومه غفر الله لرسوله يعطي قريشا و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم بالأمس ؟!
فلما بلغت هذه المقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أرسل يطلب سعد بن عبادة الذي أكد له أن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليه في أنفسهم
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
فأين أنت من ذلك يا سعد ؟
فقال: ما أنا إلا رجلٌ من قومي!
فأمر النبي أن يجمع له القوم و أتاهم بصحبة أبي بكر الصديق فحياهم ثم حمد الله تعالي و أثني عليه ثم قال:
يا معشر الأنصار ألم تكونوا كُفّاراً فهداكم الله بي ؟؟
ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي ؟؟
ألم تكونوا أعداءً فألف الله بين قلوبكم بي ؟؟
ثم قال صلي الله عليه وسلم ألا تجيبوني يا معشر الأنصار!
قالوا: و بماذا نجيبك يا رسول الله و لله و لرسوله المن و الفضل ؟
قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم
قولوا ألم تأتنا مُكذِبا فصدقناك ؟
ألم تأتنا مخذولا فنصرناك ؟
ألم تأتنا طريدا فآويناك ؟
ألم تأتنا عائلا فواسيناك ؟
فهنا ارتفع صوت الأنصار بالبكاء و ضج المكان و هم يقولون: المنة لله و لرسوله يا رسول الله فقال لهم:
ما مقالة بلغتني عنكم و وجدة وجدتموها في أنفسكم تقولون:
لقد لقي محمد اليوم قومه
يا معشر الأنصار أوجدتم في أنفسكم لعاعة من الدنيا
تألفت بها قلوب قومٍ لِيُسلِموا و وكلتكم إلي إسلامكم ؟؟
ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة و البعير و ترجعوا برسول الله في رحالكم ؟؟
اوفاعل أنت يا رسول الله ؟؟
قال: أجل، المحيا محياكم و الممات مماتكم، أنتم الشعار و الناس دِثار
فوالذي نفس محمد بيده لو سلك الناس قاطبة شعبا و سلك الأنصار شعبا لسلكت مسلك الأنصار و لولا الهجرة لكنت واحداً من الأنصار، ثم بسط يديه الكريمتين و هو يقول:
اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار و بكي صلي الله عليه وسلم و قال:
ألم أعهد إليكم يوم العقبة أسالم من سالمتم و أحارب من حاربتم، المحيا محياكم و الممات مماتكم.
فبكي الأنصار حتي اخضلت لحاهم و هم يقولون:
رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم رضينا رضينا،
خذ ما بأيدينا من أموال و أعطها إلي أهل مكة.
وهكذا فاز الأنصار بالحبيب محمد صلي الله عليه وسلم ليضربوا أروع الأمثال و أصدقها في الإيثار.

و هذا نموذج في الأثرة أسوقه إليكم لنستخلص منه العبرة
فلقد عرفت رجلاً كان يحقد علي كل من يملك شيئاً من مواهب الله و مع هذا الحقد الدنيء لا يتصور الناس إلا علي أمثلة من نفسه و لعله لا يعقل أن في أحد من خلق الله دماً شريفاً أو عرقاً سامياً أو أخلاقاً نبيلة.
كان هَجّاء، يقع في الأعراض لانه رديء النفس شرير، سيء الملكة، يقع في أشد ظلام من نفس حاقدة لئيمة، و في أصعب التواء من صدر حقود ضيق،
فهو طوال الوقت يحمل نفساً تنبض بالرذائل و الظلمات، منغمس في عجزه و جهله و انحطاطه، يحيا بأثرة مقيتة تقوده إلى هاوية سحيقة ما لها من قرار
فهو كثير الخلاف، عظيم الشقاق، سيء الآداب، قبيح الأخلاق، شحيح، بخيل، قليل الصبر، عديم الوفاق، كان ساعياً في هواه، موسعاً إلي خطاه، مأسوراً في سجن شهواته و أثرته،

فعلاه ذل المعاصي، و أظلم قلبه و اغتر بالزخارف، و تعجب بما تجمعه الدنيا و تحويه، فلعب الهوي بفهمه و سودت شهواته وجه عزمه، فعافه الناس و كرهوه و اجتنبوا لقاءه فعاش غوياً لا نفع فيه أسيراً لأثرته المقيتة التي هوت به إلي أسفل درك فصار منبوذاً بين أقرانه و عبرة لمن يعتبر.
“يراجع كتاب علي السفود للأديب مصطفي صادق الرافعي”

و غني عن البيان أن الجود عشر مراتب
١- الجود بالنفس.
و هو أعلي مراتبه، كما قال الشاعر:

يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها
و الجود بالنفس أقصي غاية الجود

٢- الجود بالرياسة.
فيحمل الجواد جوده علي امتهان رياسته و الجود بها و الإيثار في قضاء حوائج الملتمس

٣- الجود براحته و رفاهيته و اجمام نفسه.
فيجود بها تعباً و كَدَّا في مصلحة غيره و من هذا جود الإنسان بنومه و لذته لمسامرة

٤- الجود بالعلم و بذله.
و هو من أعلي مراتب الجود و هو أفضل من المال و أشرف

٥- الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة و المشي إلي ذي سلطانٍ

٦- الجود بنفع البدن علي اختلاف أنواعه.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
(يُصبِح علي كل سلامي من أحدكم صدقة و العدل بين اثنين صدقة و يعين الرجل في دابته فيعينه عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، و الكلمة الطيبة صدقة، و كل خطوة يمشيها إلي الصلاة صدقة، و يميط الأذي عن الطريق صدقة) متفق عليه صحيح أخرجه البخاري ٢٩٨٩ و مسلم ٥٦

٧ الجود بالعرض.
كجود أبي ضمضم من الصحابة إذ قال:
أنه لا مال لي أتصدق به علي الناس و قد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني او قذفني فهو في حِل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم ؟
و في هذا الجود من سلامة الصدر و راحة القلب و التخلص من معاداة الخلق ما فيه

٨ الجود بالصبر و الإحتمال و الإغضاء.
ولا يقدر علي ذلك إلا أصحاب القلوب العالية و في هذا يقول الله تعالي:
( و جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفي و أصلح فأجره علي الله إنه لا يحب الظالمين) الشوري ٤٠”.

٩- الجود بالخُلق و البشر و البسطة.
و في ذلك يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تلقي أخاك و وجهك منبسط إليه) صحيح أخرجه مسلم ١٤٤”.

١٠- الجود بتركه ما في أيدي الناس
فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه.

و الإيثار علي ثلاث درجات

١- أن تقدمهم علي نفسك في مصالحهم مثل أن تطعمهم و تجوع و تكسوهم و تعري و تسقيهم و تظمئ
و غني عن البيان أن ذلك شريطة ألا يؤدي إلى الاتلاف كأن تؤثرهم بكل مالك و تقعد كَلَّاً مضطراً سائلاً، كذلك ايثارهم بكل ما يحرمه الدين علي المؤثر، فإن ذلك عجز و سفة يذم بها المؤثر عند الله و الناس

٢- إيثار رضا الله علي رضا غيره
و إن عظمت فيه المحن و ثَقُلت فيه المؤن و ضعف عنه الطول و البدن و ايثار الله تعالي علي غيره ، هو أن يريد و يفعل ما فيه مرضاته و احتمل عداوة البعيد و القريب ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم، بل كان همه و عزمه و سعيه مقصورٌ علي إيثار مرضاة الله

٣ إيثار إيثار الله
و هو يعني أنك تنسب إيثارك إلي الله دون نفسك فكأنك سلمت الإيثار إليه تعالي فهو المؤثر حقيقة و هو المعطي حقيقة، فالإيثار و الإستئثار كلها إليه و منه

(يراجع في ذلك كتاب مدارج السالكين لابن القيم الجزء الثاني ص ٤٠ : ٤٩)

فاللهم اجعلنا من أهل إيثارك و محبتك ولا تجعلنا من أهل البخل و الأثرة و سخر لنا من الأقدار أطيبها و من التباشير أسعدها و من الأرزاق أوسعها
يا أمان الخائفين و يا جار المستجيرين و يا رجاء السائلين و يا غوث المستغيثين، استرنا بسترك الحصين و اعصمنا بحبلك المتين و اجعلنا ممن لاذ بك فاجرته و فر إليك فقبلته و خاف منك فأمنته و توكل عليك فكفيته و سألك فأعطيته و صل علي سيد خلقك و خاتم أنبيائك، كاشف الغمة و مجلي الظلمة، معلم الناس الخير و هادي البشرية إلي الرشد و داعي الخلق إلي الحق و مخرج الناس من الظلمات إلى النور، نبي الرحمة و امام الهدى، النذير البشير و السراج المنير و علي آله الطيبين الطاهرين و علي زوجاته أمهات المؤمنين و علي أصحابه الغر الميامين
ما هبت النسائم و ما ناحت علي الأيك الحمائم

المستشار : عادل رفاعي 🌹❤️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *