Share Button

 

التقيت البارحه جاري و هو يردد اتق شر من أحسنت إليه و يذكر مقولة بدعي أنها مأثوره و هي أن النفس الخبيثة تأبي أن تلقي الله قبل أن تسيئ إلي من أحسن إليها.و لما أبحرت في أعماق نفسه و سبرت أغواره علمت أن جاراً له قد غافله و سرق منه أموالاً طائلة ثم لما افتضح أمره لاذ بالإنكار متبجحا و كشف عن وجه قبيح فإعتصم الجار المنكوب بدعاء لا يفارقه آناء الليل و اطراف النهار بأن ينتقم الله من هذا اللص الحقير و ظل يطلق من كنانة دعائه سهام الليل التي لا تخطئ في أوقات السحر حتي حفظ الملائكة إسمه من كثرة ترداده و إن هي إلا أياماً معدودة حتي أصيب السارق الشاب بداء أقعده عن الحركه و صار و هو في شرخ الشباب و ميعة الصبا إلي عكازين يتوكأ عليهما و هو ما كان كفيلاً بإعادته إلي صوابه بعد تلك اللطمة القاسية و إيقاظ ضميره إلا أن الله ختم علي قلبه و علي عقله و طمس علي فؤاده و ضميره و بصيرته فهو من اللذين تستعبدهم شهوات أنفسهم فيظلون أبد الدهر في حيرة و ضلال يتخبطون من حسرة إلي خيبة إلي تسفل و إنحطاط و يعبر أصدق تعبير عن سوء منبته و بيئته الوضيعة و ذهاب أخلاقه فهو مازال غارقاً في لجة المال الحرام و مازال أهله متغافلون عن جرائمه و مازالت صفحة الإنتقام الآلهي مفتوحة علي مصراعيها جزاء فعاله السيئة و عاقبة إجرامه و التي شاء الله ألا تعاقبه عليها عدالة الأرض ليكون العدل الآلهي له بالمرصاد ليتلظي بنار مظالمه المستعرة التي أحدقت به و أحاطته إحاطة السوار بالمعصم ليذوق وبال امره حتي يكون عبرة لمن تسول له نفسه السقوط في بئر الخيانة علي نحو ما تقدم و أول غيث الإنتقام قطرة و ماكان ربك نسيا .
و رأيت جاري المسكين كسارٍ وقع في ظلمة مدلهمة تحت ليلٍ كأنه رماد قد هيل علي جمرات النجوم فأطفأها و هو علي ذلك يخبط في قفر اشد وعورة و إستغلاقا من جحود هذا المجرم فهرعت من أجل ذلك إلي قلمي و قرطاسي أحاول أن اصحح فكرة جاري عن إلاحسان كما أراده الله تعالي و جعله لبا للإيمان و روحه و كماله و المنزلة التي تجمع كل المنازل فجميعها منطوية فيها جامع لكل أبواب الحقائق و هو أن تعبد الله كأنك تراه و سألت جاري عن معني الإحسان لديه فرد أن الإحسان لديه هو البر بالوالدين و هو لليتامي المحافظة علي أموالهم و صيانة حقوقهم و المسح علي رءوسهم و هو للمساكين بسد جوعتهم و ستر عورتهم و الحث علي إطعامهم و هو لإبن السبيل بقضاء حاجته و سد خلته و رعاية ماله و صيانة كرامته و هو للحيوان إطعامه إن جاع و مداواته إن مرض و عدم حمله علي ما لا يقدر و الرفق به و إراحته إن تعب و هو في الأعمال بإجادتها و إتقانها و تخليصها من الغش (يراجع كتاب منهاج المسلم لأبو بكر الجزائري من ص١٤١ إلي ١٤٣) و إذ التقيت أستاذ الجامعه الأزهري فسألتة عن موضوعنا فذكر قول الله تعالي (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) سوره الرحمن ٦٠ ثم استطرد يذكر أن الإحسان علي ثلاث درجات الدرجه الأولي الإحسان في القصد بتهذيبة علماً و ابرامة عزماً و تصفيتة حالاً و ذالك يعني ١:تهذيبة علماً بأن يجعله تابعاً للعلم علي مقتضاه مهذبا به منقي من شوائب الحظوظ و العلم هو إتباع الأمر و الشرع ٢:ابرامة عزما فلا يصحبة فتور و توان يضعفه و يوهنه ٣:تصفيتة حالاً أن يكون حال صاحبة صافياً من الأكدار و الشوائب و ذكر أن الدرجة الثانية هي الإحسان في الأحوال و هو أن تراعيها غيرةً و تسترها تظرفا و تصححها تحقيقا و أكد أن الفرقان أن كل وارد يبقي الأنسان بعد إنفصالة نشيطاً مسرورا نشوانا فإنه وارد ملكي و كل وارد يبقي الانسان بعد إنفصاله خبيث النفس كسلانا ثقيل الاعضاء و الروح فهو وارد شيطاني كما أن كل وارد أعقب في القلب معرفة في الله و محبةً له و انسا به و طمأنينهً بذكره و سكوناً إليه فهو ملكي الهي كمان أن كل واردٍ أعقب صاحبه تقدماً إلي الله و الدار الأخره و حضوراً فيها حتي كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت و الجحيم قد سعرت فهو إلهي ملكي و أضاف أن كل وارد جمعك علي الله فهو منه و كل وار بعدك عنه و فرقك و اخذك عنه فمن الشيطان و أكد أن الوارد الألهي لايصرف إلا في قربة و طاعه و لا يكون سببه إلا قربة و طاعة فمستخرجه الأمر و مصرفه الأمر و الشيطاني بخلافه و أردف أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف بل يصدق بعضه بعضا و الشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا
فلما سألته عن الدرجه الثالثة فقال الإحسان في الوقت و هو ألا تزايل المشاهدة ابداً و لا تخلط بهمتك احدا و تجعل هجرتك إلي الحق سرمدا أي لا تفارق حال الشهود و هذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم و قطعوا المسافات التي بين النفس و بين القلب و المسافات التي بين القلب و بين الله بمجاهدة القطاع التي علي تلك المسافات و تتحقق بتعلق الهمه بالحق وحده دون غيره و أن تجعل توجهك إلي الله بالصدق و الإخلاص فيكون من المهاجرين إليه فلا ينبغي أن يتخلف عن هذه الهجره بل ينبغي أن يصحبها سرمدا حتي يلحق بالله عز و جل و لله علي كل قلب هجرتان هجرة إلي الله سبحانه بالتوحيد و الإخلاص و الإنابه و الحب و الخوف و الرجاء و العبودية و هجرة إلي رسوله صلي الله عليه و سلم بالتحكيم إليه و التسليم و التفويض و الإنقياد لحكمه و تلقي احكام الظاهر و الباطن من مشكاتة فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل و متاهات الطريق فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث علي رأسه الرماد و يراجع الإيمان من أصله فيرجع وراءه ليقتبس نورا قبل أن يحال بينه و بينه و يقال له ذلك علي الصراط من وراء السور يراجع كتاب مدارج السالكين للإمام إبن القيم من ص١٦٦ إلي ١٦٩
فاللهم إجعلنا من المحسنين في القصد بتهذيبه علما و ابرامه عزما و تصفيته حالا و من المحسنين في الأحوال الذين راعوها غيرة و تستروها تظرفاً و تصححوها تحقيقا و إجعلنا اللهم ممن أحسنوا في الوقت و لم يخلطوا بهمتهم أحدا و جعلوا هجرتهم إلي الحق سرمدا بالتوحيد و الإخلاص و الإنابه و الحب و الخوف و الرجاء و العبودية و صل اللهم علي حبيبنا و شفيعنا و قره أعيننا و علي أله و من والاه إلي يوم القيامه ما هبت النسائم و ما ناحت علي الأيك الحمائم

🌹🌹🌹المستشار عادل الرفاعي🌹🌹🌹

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *