Share Button

 

الحمد لله الذي خضع لعظمته كل شيء و هو الكبير المتعال و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
له التفرد بالكبرياء و العظمة و أشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله الذي كان مثالاً نادراً في تواضعه و علم الدنيا كيف تُهذَب النفوس و تصفو القلوب فتفوز بجميل العقبي و حُسن المآل
و قد ذم الله تعالى الكِبر و ذم كل جبار متكبر فقال في محكم التنزيل:
(سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق) الأعراف ١٤٦”.
و هو القائل:
(كذلك يطبع الله علي كل قلب متكبر جبار) غافر ٣٥”.
و قال تعالي: (فلبئس مثوي المتكبرين) النحل ٢٩”.
و هو القائل: (إنه لا يحب المستكبرين) النحل ٢٣”.
و ها هو سبحانه و تعالى فيما يحكيه عن وصية لقمان لابنه يقول:
( ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) لقمان ١٨ : ١٩”.
و هكذا فإن الخالق الأعظم قد أمر الإنسان بتكميل نفسه و تكميل غيره كما نهاه عن البطر و شدة الفرح بما أوتي من نعم الدنيا و عن الخيلاء و العُجب و التكبر الناشئ عن تخيل فضيلة تراءت له في نفسه و نهاه عن الفخر و المباهاة بالأشياء الخارجة عنه كالمال و المنصب و طلب منه القصد و الاعتدال في كل شيء حتي في مشيه و كلامه فلا يدب علي الأرض دبيب المتماوتين ولا يمشي عليها مشي المتعاظمين و إذا تكلم جعل صوته عذبا رقيقا علي قدر الحاجة فإن ذلك أوقر له و أحفظ لهيبته و أدعي إلي فهم السامع.
و هكذا يؤدب الله تعالي عباده و يقرر في كتابه العزيز ما فيه صلاحهم و سعادتهم
و ها هو الرسول العظيم صلي الله عليه وسلم يعلنها في سمع الزمان مقرراً مصير المتكبرين فيقول:
( يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم من كل مكان يساقون إلي سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال) “رواه النسائي و الترمذي”
و هو صلي الله عليه وسلم القائل: يقول الله تعالى:
الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم ولا أبالي) رواه مسلم و ابو داود و ابن ماجة”
و هو صلي الله عليه وسلم الذي أكد:
( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر)
“رواه مسلم و الترمذي”
و إن أنسي فلن أنسي ما أعلنه أبو بكر الصديق حين نصح الكافة فقال:
إياكم و الفخر و ما فَخْر ما خُلق من تراب ثم يعود إليه ثم يأكله الدود.
و لقد رأي مطرف المهلب متبختراً في جبة خز فقال له يا عبد الله هذه مِشية يبغضها الله و رسوله فقال المهلب :
ألا تعرفني ؟!
قال بلي أعرفك و لك نطفة مذرة و آخرك جيفة قذرة و أنت بين ذلك تحمل العذرة فترك المهلب مشيته تلك.
و هذا ابن السماك لما دخل علي هارون الرشيد قال له:
إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك إن امرأ أتاه الله جمالاً في خلقته و موضعا في حسبه كتب له في ديوان الله أنه من خالص أوليائه
و لله در القائل:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً
فكم تحتها قوم هُمو منك أرفع
و إن كنت في عز و حرز و منعة
فكم مات من قومك هُمو منك أمنع

و لقد عرفت رجلاً لازمني ردحاً من الزمان كان فيه مختالاً فخورا، يمشي في الأرض مرحا، يصعر خده للناس لا يقيم وزناً لأحد، لا يوقر كبيرا ولا يحنو علي صغير، كان يأكل وحده و يمنع رفده ولا يكرم ضيفه ظناً منه أن ذلك يرفعه فوق الخلائق و يرتفع به مكاناً عليا، كان سئ الطباع نسي الكبير المتعال فتجبر و اعتلي و نسي الجبار الأعلي
صحبني كما يصحبني الشيطان الرجيم، لا خير إلا في معاداته و مخالفته.
كان يماسحني متي كان فيّ طعم العسل لأن فيه روح ذبابة، كان صاحب ملامح كالحة، جلدة وجهه تحمر و تصفر فلا تراه إلا علي أطراف المصائب كأنه حد تعرف به من أين تبدئ المصائب لا من أين تبتدئ الصداقة، كان يري التواضع ضعفاً و ضعة، يغريان به السفهاء فغدي متكبرا منتفخاً يملأ العُجب نفسه و مع الأيام فقد سهي و لهي و نسي المقابر و البلي فطغي و عتي و نسي المبتدأ و المنتهي
“يراجع كتاب وحي القلم للأديب مصطفي صادق الرافعي”
و قد مشي في الأرض بين الناس يُعكر النبع الصافي إذ تمكن البغي من قلبه الذي امتلأ جهالة و ظلما فنزل عليه المقت إذ نظره إلي الكافة شزر و مشيته تبخترٌ ، لا ينطلق وجهه بالبشر للناس ولا يسعهم خُلُقُه، فهو لا يري لأحدٍ عليه حقا و أضحي الجميع لديه صغاراً بغضاً مستحقرين لا حقوق لهم ولا اعتبار و ما كان أغناه عن اتهام ظل يلحق بساحته و يرين علي صفحته و لو رجع إلى الحق فصار موطّأ الأكناف و قمع نفسه و علم أن الناس جميعاً من تراب و أن أعظم خصال الإيمان هو التواضع، لكان خيراً له من أجل ذلك لما غادر المكان ما حزن لفراقه أحد و ما بكت عليه السماوات والأرض و غنيٌ عن البيان أن الله تعالي قال لنبيه:
(و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) الشعراء ٢١٥”.
و هو الذي وصف أولياءه بقوله:
(تلك الدار نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً و العاقبة للمتقين) القصص ١٨٣”.
و قد قال صلي الله عليه وسلم
(ألا أخبركم بمن يحرم علي النار ؟ -أو تحرم عليه النار- تحرم علي كل قريب هين لين سهل) ” رواه الترمذي وقال حديث حسن”.
هذا و قد اقتضت حكمة الله تعالي إنه ما تكبر أحد عمن دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه و لو عقل الأمر لأراح نفسه من المعارك الوهمية التي يخوضها في كل طرفة عين حتي أضحي عَلماً للبغض و العداوة و مثالاً للكراهية و الإستعلاء.
و تالله إن المحبين المتواضعين هُم أجود الناس و أصدقهم لهجة و ألينهم عريكة و أكرمهم عشرة و أحسنهم أخلاقا.
و من نزل بساحة القناعة ذاق حلاوة الرضا و من قرع بأنامل التواضع باب القلوب فتح الله له مغاليقها و كشف له عن رياض الأُنس، فلكل باب مفتاح و مفتاح القلوب طرد الكِبر و نبذ الخيلاء، فالتواضع هو الرحمة و الأنس و الحصن الذي يلقي علي صاحبه ثبات الجبال الراسيات التي لا تحركها العواصف ولا تزيلها القواصف، فالمتواضع عظيم عند ربه، جليلٌ في أعين الناس، كبيرٌ في أنفسهم،
أما المتكبر فهو ينتظر يوماً تُذَل فيه الأعناق لهيبة الخلّاق و يخسر أهل الشقاق بالرياء و النفاق و تشهد الصحف و الأوراق بالأعمال و الأخلاق و تسيل دموع الآماق من الأحداق علي تفريط الآباق و يضيق علي العصاة الخناق إذا عز الإعتاق و تبرز الجحيم فيها الحميم و الغسّاق مُعدٌ للفُجَّار و العشاق، لفحتهم فأحالت جمالهم وما لهم من الله من واق، و اطلعت علي الأفئدة و بواطن الأعماق، يحلون بها ولا يحل لهم وثاق، حرها شديد و يزيد بإطباق الأطباق، واأسفاكم و قد نال أهل الجنة بالرضا و الوفاق و فازوا وحازوا مراتب السباق فهم في ضياء نورٍ كامل و إشراق و نعيم لا يُحاط بوصفه مديد الرواق، و كئوسٌ مملوءة فيا حسن الدهاق.
كانوا يشتاقون إلي المحبوب و هو إليهم بالأشواق،
حدي لهم حادي العزم فجدت النياق، و قد أُعلِمنا بما يجري علي الفريقين يوم الإقتران.
فاللهم يا مالك المساء و الشروق احفظنا من مساءة الحوادث و الطروق و هب لنا من فضلك ما يصفو و ما يروق و زد آمالنا من إحسانك فوق ما نرجو و نتوق و اجعلنا ممن إئتزروا بمئزر القنوع و ارتدوا رداء التواضع و الخشوع و ارزقنا شفاعة المصطفي صلي الله عليه وسلم في دار الإعزاز و الإكرام التي بُنيت لقوم متواضعين كرام لا غُرم فيها ولا غرام،
ما يسكنها من يُضام، نعيمها في دوام و لذاتها في تمام و اجعلنا ممن لطفت بهم و هديتهم و أحسنت إليهم و عطشوا من مياة الهوي فسقيتهم و ذللوا لك النفوس فَرقّيتهم و حشرتهم مع شفيع الشفعاء و سيد الرسل و الأنبياء صلي الله عليه و آله وسلم يوم الحساب.

المستشار : عادل رفاعي 🌹🤎

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *