Share Button

 

المسألة و التسول في الأصل حرام و إنما أُبِيحت للحاجة و الضرورة لأنها ظلم في حق الربوبية ، ظلمٌ في حق المسئول ، ظلمٌ في حق السائل.
أما الأول : فلأنه بذل سؤاله و فقره و ذلّه و استعطاءه لغير الله تعالي و ذلك نوع عبودية
فوضع المسألة في غير موضعها و أنزلها في غير أهلها و ظلم توحيده و إخلاصه و فقره إلى الله عز و جل و توكله عليه و رضاه بقسمه واستغني بسؤال الناس عن مسألة رب الناس و ذلك كله يهضم من حق التوحيد و يطفئ نوره و يضعف قوته.
و أما ظلمه للمسئول فلأنه سأله ما ليس عنده ، فأوجب له بسؤاله عليه حقاً لم يكن له عليه و عرضه لمشقة البذل أو لوم المنع فإن أعطاه أعطاه مكرها و إن منعه منعه علي إستحياء و إغماض -هذا إذا ما سأله ما ليس له-
أما إذا سأله حقاً هو له عنده فهو جائز و لم يظلمه بسؤاله.
و أما ظلمه لنفسه : فإنه و الله أراق ماء وجهه و ذَل لغير ربه و أنزل نفسه منزلة اليد السفلي و رضي لها بأبخس الحالتين كما رضي بإسقاط شرف نفسه و عزة تعففه و راحة قناعته و باع صبره و رضاه و توكله و قناعته بما قُسِم له و استغناءه عن الناس بسؤالهم و هذا عين ظلمه لنفسه إذ وضعها في غير موضعها و أخمل شرفها و وضع قدرها و أذهب عزها و صغّرها و حقّرها و رضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول و يده تحت يده.
و قد ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“ما يزال الرجل يسأل الناس حتي يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم” أخرجه البخارى ومسلم’
و في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
” من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو يستكثر”
و في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
و الذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب علي ظهره فيتصدق به علي الناس خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه”
و في صحيح مسلم عنه أيضا قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لأن يغدو أحدكم فيتحطب علي ظهره فيتصدق به و يستغني به عن الناس خير له من يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ، ذلك بأن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلي و ابدأ بمن تعول.
و زاد الإمام أحمد :
” ولأن ياخذ ترابا فيجعله في فيه خيرٌ له من أن يجعل في فيه ما حرمه الله عليه.
و روي عن الشعبي قال :
حدثني كاتب المغيرة بن شعبة :
” كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة : أن اكتب إليّ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إن الله كره لكم ثلاثاً :
،قيل و قال، و إضاعة المال، و كثرة السؤال. رواه البخاري ومسلم’
و عن عبدالله بن مسعود قال ، قال رسول الله صلى الله عليه:
“من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسد فاقته، و من أنزلها لله أوشك الله له بالغني إما بموت عاجل أو غِني عاجل” رواه أبو داود الترمذي ‘
و عن عبد الرحمن بن عوف قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث و الذي نفس محمد بيده إن كنت لحالفاً عليهن :
لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله الا رفعه الله بها، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ”
أخرجه أحمد في مسنده’
“يراجع كتاب مدارج السالكين للعلامة ابن القيم الجزء الأول ص ٥٧٩ : ٥٨٣”

و لقد عرفت شخصاً وهبه الله كل أسباب السعادة و رغد العيش
كان شاباً فتيا أعطاه الله بسطة في الجسم و الرزق و حِرفة تألق في إمتلاك أسرار مهارتها، أدرت عليه مالاً وفيراً حتي أنه تزوج من معلمة تُربي الأجيال فأنجبت له ولداً كالبدر في ليلة التمام و امتلك داراً و سيارة فارهة واكتظ حسابه بالبنوك و عاش يرفل في أثواب النعيم، إلا أن نفسه الخبيثة قد ابتلته بالانحطاط إلى ذل السؤال و مُذ عرف طريقه إلى ذلك أغلق محله مصدر رزقه و غدي غراً بليداً لا يؤبه له عاطلاً غوياً لا نفع فيه فبذل سؤاله و أعلن فقره و ذله لغير الله ليضحي بحق متسولاً شحاذا، انحط من عز الإستغناء و عفته إلي ذل السؤال و ضعته ليكون بحق اليد السُفلي إذ استغني بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، فأراق ماء وجهه و ذل لغير الله فأصبح في أعين الناس وضيعاً مستحقرا، إذ نسي ربه الجليل و ضيع نفسه و من يعول بدلاً من الإجتهاد في عمله بعرق الجبين و كد اليمين و احترف السؤال و تفنن في الإيقاع بفرائسه الواحدة تلو الأخري ثم ولغ في آثامه إلي أبعد حد و اندفع بكل ما بنفسه من قوة نحو الثراء الحرام و ظل يلهس كالكلب العقور، يضرب فجاج الأرض و يحفر باطنها و ينقّب في الخرائب عن كنوز آثار أجدادنا الفراعنة و هو يدرك أنه يقترف بذلك إثما هو أشد الحرام فضلاً عن أنه تضييعٌ للقيم و التاريخ و ضرب للحضارة في مَقاتلها و طعن للأمة في أعز ممتلكاتها و مقوماتها و مقدراتها و شرفها و أساس وجودها و في أعز مقدساتها كأسوء ما يكون الإجرام و أحط ما يكون التسفل و الإنهيار و خيانة الأوطان ،
فداس في سبيل ذلك علي كل القيم و اعتلي متن الشطط و اعتلته الوساوس المدمرة و ركبته مردة الجن و الشياطين و لجأ إلى السحرة المجرمين و شُذّاذ الآفاق و سماسرة الأوهام سعياً وراء حلم الثراء العريض فاستذل نفسه بكثرة المسألة و ادعاء الفقر و اصطناع مشاريع إحتيالية و ادعاء وقوعه في ضوائق ألمت بساحته فاقترض من الرجال و النساء
من الشيب و الولدان
القريب منهم و البعيد
فتقوض بنيان حياته و ماتت زوجته المسكينة بعد أن عاشت أيام حاذقة المرارة بعد أن هجرها و قطع عنها و عن ولدها النفقة و ضيع ابنه و تركه لليتم و الضياع و غلبت عليه شقوته و العجيب أنه أنفق كل الأموال التي استحصل عليها دون حق في سفاهات منقطعة النظير و حقاً فإن من أخذ مالاً من نهابر أنفقه في نهاوش و هذا الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم يقول :
من اكتسب مالاً حراماً لم تقبل منه صدقة ولا عتقاً ولا حجاً ولا عمرة و كان له بعدده أوزاراً، و ما بقي بعد موته كان زاده إلي النار
“يراجع مسند الحارث بن أبي أسامه ٢٠٥/ بغية الباحث ”
و أضحي صاحبنا صديقاً للأوهام و أساطير الخرافات
طياشاً، غافلاً، أينما توجهه لا يأتي بخير
و حالف السفلة و كل شياطين الأرض و صاحب المُنجّمين و خاصم الصدق واليقين و هجر أصدقاءه فغاب عنه الناصح و عز المشير
فلم يعُد يعمل ولم يعد يصلي و هدم أسرته و سقط من أعين الناس و لم يجنِ في النهاية الإ قبض الريح ولم تبق له سوي ندامة يكابدها و حسرات تلاحقه و عارٌ لحق به و أضحي ملاحقا في الفترة الأخيرة من عمره و مطارداً من خصومه و دائنيه و صار الخوف لديه إدماناً فتشرد و ضاع في بلاد الله و استكان لذل العجز و الندم و أصبح يمضغ العجز و يشتكي الشدة لدي أضعف شدة و لو عف عن قذر السؤال و مذلته لنجي و لسارت مركب حياته إلي شاطئ الأمان.
فالمتسول كذاب أشِرْ يسقط في بئر الظلمات و ينحط من درك إلي آخر أسفل منه إذ هو نصاب لا يأنف من أكل الحرام ثم هو منافق يظهر شيئاً و يبطن شيئا آخر، يدفعه حقده و حسده و عدم رضاه بقدره أن يطرق بكل خواطره باب الخلائق غير آبه بالحقوق مضيعاً لكل القيم و غير آبه بغضب الرب فكان حقاً علي الله أن يكسوه ثوب الفقر و المذلة، فغدي منبوذاً فقد العقل و ذهب عنه الرشد و تجرع مرارة الذل كئوساً حتي ضاقت به الدنيا بما رحبت و أدرك أنه لا بد في النهاية مقضيُ عليه فانتحر فما بكت عليه السماوات و الأرض و ما حزن من أجله أحد و تلك عقبي التعدي.
فاللهم أعنا علي أنفسنا و تقبل توباتنا و اغسل حوباتنا و أجب دعواتنا و ثبت حجتنا و اهدِ قلوبنا و سدد ألسنتنا و اسلل سخيمة أنفسنا و ارزقنا رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا
اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تَهدِ بها قلوبنا و تجمع بها أمرنا و تلم بها شعثنا و ترفع بها شأننا و تزكي بها عملنا و أنفسنا و تلهمنا بها رشدنا و ترد بها أُلفتنا و تعصمنا بها من كل سوء و نسألك إيماناً و يقينا ليس بعده كُفر و رحمة ننال بها شرف كرامتك بالدنيا والآخرة و نسألك أن لا تعوزنا لغير جنابك و نسألك بقوتك و ضعفنا، بعزك و ذلنا أن تجيرنا من عذاب السعير كما تُجير بين البحور و من دعوة الثبور و من فتنة القبور و من زوال نعمتك و تحول عافيتك و فجاءة نقمتك و جميع سخطك و نسألك نعيماً لا ينفد بحولك و قوتك و قرة عين لا تنقطع في معيتك و نسألك الرضا بعد القضاء و برد العيش بعد الموت و نسألك شكر نعمتك و وفقنا للهدي و اعصمنا من أسباب الردي و اكتبنا لديك من الشاكرين الموحدين الراضين بقضائك و اكفنا بحلالك عن حرامك و بفضلك عمن سواك و ارزقنا شفاعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

المستشار : عادل رفاعي 🌹♥️

Share Button

By ahram misr

رئيس مجلس ادارة جريدة اهــــرام مــصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *