التصنيف: دنيا ودين

فى طريق النور ومع رحلة التيه والمنّ والسلوى ” الجزء الأول ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى  لقد دعا نبى الله زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه غلاما يرثه وأن يتولى الرئاسة الدينية في بني اسرائيل خوفا من المتلاعبين بالدين والجهلة، وقد استجاب الله تعالى له وبشره بالنبي يحيى عليه السلام وهو قائم بالمحراب يصلي، وكان زكريا متزوجا من امرأة لا تنجب، وقد كان كبيرا في السن، لكن الله تعالى رزقه بولد اسمه يحيى، بعد أن دعا ربه، تقدم السن بنبي الله زكريا عليه السلام، وتوزع الشيب في رأسه، وبلغ من الكبر أعواما كثيرة، وقد كانت زوجته عاقرا لا تنجب، فلما رأى من معجزات الله العظيمة، أراد أن يرزقه الله تعالى بولد صالح، فدعا ربه أن يرزقه غلاما تقيا، يرثه في العلم والنبوة، ويهدي الناس للخير، وحسب الروايات قد عاش نبى الله يحيى مع أبيه الشيخ الكبير زكريا عليهم السلام حياة مليئة بالدعوة والتقرب إلى الله تعالى، ولكن بنو إسرائيل الذين قتلوا الأنبياء والرسل قد تآمروا على قتل نبى الله زكريا، وقد بلغ زكريا بأن القوم تآمروا عليه لقتله، فهرب منهم ودخل الغابة يركض بين الأشجار وبنو إسرائيل خلفه معهم منشار يريدون قتله وقطعه عليه السلام، وقد رأى نبى الله زكريا شجرة كبيرة في الغابة قد فتحت له بعد أن أذن الله عز وجل لها أن تفتح ليختبئ بها، ولما دخل زكريا عليه السلام بها واختبأ كان إبليس حاضرا فأمسك بجزء من ثوب زكريا عليه السلام وأخرجه خارج الشجرة، وأغلقت الشجرة على نبى الله زكريا، وبذلك دل إبليس بني إسرائيل على مكانه فجاء بنو إسرائيل حول الشجرة وبدؤوا ينشرونها ونبي الله فيها، فلما وصل المنشار لجسد نبى الله زكريا عليه السلام.  فأصبح يصدر أنينا عليه السلام من الألم، فقال له الله عزوجل يا زكريا لإن لم يسكتن أنينك لأقلبن الأرض بمن فيها فسكت زكريا رحمة بأمته حتى لا يهلكهم الله عزوجل ونشر نبى الله زكريا إلى نصفين، وبذلك كانت وفاته عليه السلام، وقتل بنو إسرائيل نبى الله زكريا والأنبياء والرسل إنما لعندهم وتكبرهم، ولأن أنبياء الله تعالى أتو بما لا يتناسب مع أهوائهم لقوله تعالى “أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون” وكان عندما سار نبى الله موسى عليه السلام بقومه في صحراء سيناء، وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء، وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة، وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه السمان، وقيل فيهما أن المن والسلوى أو كما يطلق عليها “من السما “أو ” ندى السماء” أو”العسل السماوى” وهي مادة صمغية دبقة يميل لونها إلى الخضار شبيهة بالدبس تنتج من أشجار الجوز المتقدمة في العمر وشجر البلوط وبعض الأشجار المختلفة التي تنمو في الأماكن المرتفعة في فصل الخريف، تتواجد حشرة صغيرة فوق جذوع هذه الأشجار تسمى “المن” وتقوم هذه الحشرة بإفراز هذه المادة الصمغية وتتجمع فوق الجذوع والأوراق ويطلق عليها الصمغ العربي ومن ثم يتم جمعها من قبل المزارعين في وقت الصباح الباكر حتى لا تتعرض للشمس وتفقد لزوجتها وتصفى من الشوائب.   ويتم إضافة إليها مطيبات ونكهات مختلفة وبعض المكسرات وتكور بشكل كرات صغيرة وتدحرج في الدقيق وتقدم للأكل أو تحفظ في صناديق مصنوعة من الخشب لتحافظ عليها من عوامل الجو وهي ما يطلق عليها حلوى المن والسلوى، وتعتبر المن والسلوى هدية من السماء وإنتاج خالص من الطبيعة، وإنفرد العراقيون بإنتاجها وصنعها وخاصة سكان مدينة السليمانية، وقد تم ذكرها في القرآن الكريم، وقد تعددت الأقوال والتفسيرات في هذه الآية المخاطب بها بني إسرائيل وقيل أن معنى المن في الآية الكريمة هو طل يسقط على أوراق الشجر ويخثر ويصبح صمغيا وذو مذاق حلو كالعسل، وقيل أنه شراب العسل، وهناك قول آخر أن المن هو جميع ما منّ الله تعالى به على عباده من الخيرات والأرزاق والبركات من غير مجهود سابق ، وقيل أنه نوع من الحبوب يدخل في صناعة الخبز، وقيل أنه مادة صمغية كانت تنزل على أوراق الشجر، أما السلوى فإنه نوع من الطيور وقيل أنه طير من طيور الجنة، وأما عن بنى إسرائيل فقيل أنه حين اشتد بهم الظمأ إلى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى اثنى عشرا سبطا، فأرسل الله المياه لكل مجموعة، ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة، واحتج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية، وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى عليه السلام.   أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة، وعاد نبى الله موسى عليه السلام يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه، ولقد سار نبى الله موسى عليه السلام بقومه في اتجاه البيت المقدس، وقد أمر موسى قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها، وها قد جاء امتحانهم الأخير، وبعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق، جاء دورهم ليحاربوا وذلك بوصفهم مؤمنين، قوما من عبدة الأصنام، فرفض قوم موسى عليه السلام دخول الأراضي المقدسة، وحدثهم نبى الله موسى عن نعمة الله عليهم، وكيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون وآتاهم ” ما لم يؤت أحدا من العالمين” وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال، فقالوا إن فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء، وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم، وتقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف، ولم يجد نبى الله موسى عليه السلام من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال، وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال، فقالا لهم إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر، ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم، ومرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم، فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في استطاعتهم أن يحاربوا.   وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسى وربه، وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة ” فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون” وهكذا بصراحة وبلا التواء، فقد أدرك نبى الله موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء، فقد مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة، وعاد موسى إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه، فقد دعا موسى على قومه أن يفرق الله عز وجل بينه وبينهم، وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل، وكان الحكم هو التيه أربعين عاما، حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة، ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأن ينتصر، فيتبين لنا أن السحب كانت تظل مكانا يريد الله تعالى أن ينزلوا فيه أثناء عبورهم سيناء، وإذا أراد سفرهم أظلتهم مرة أخرى في السفر، ولكن سياق القرآن وكلماته تبين أن المراد من ظلال الغمام هو المطر، لأن السحب الداكنة المظلمة ممطرة عموما، وبيان القرآن، كما هي عادته، تصحيح لبيان التوراة، لأن وصف التوراة للسحب غير ضروري وغير معقول، فأي داع لإحاطة بني إسرائيل بالسحب لتوجيههم إلى المكان المناسب لإقامتهم؟ كان يكفي أن يوحى الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام ويخبره بذلك، ولقد ذكر القرآن إلى جانب الغمام المنّ والسلوى، ومن هذا يتبين أن تلك الفيافي المجدبة كان يعوزها الطعام والماء، فكان الله تعالى يطفئ عطشهم بالسحب الداكنة الممطرة، ويزيل جوعهم بالمن والسلوى.   وإن من عادة الله المستمرة أنه يمنّ على عباده ببركات خاصة ليدرأ عنهم الأذى ويهيء لهم الراحة، وما فعل الله تعالى هذا في الماضي فقط بل يفعله اليوم أيضا مع عباده الصالحين، فلا يصح أن يراد بظلال الغمام أن الله تعالى كان يأمر السحاب لتتحرك معهم لتظلهم دائما حيثما حلوا وارتحلوا، إذ أن ظلال السحب المستمر نقمة لا نعمة، وكان بنو إسرائيل قد عاشوا عبيدا تحت الفراعنة لمدة طويلة، فأراد الله تعالى أن يعيشوا في البرية أحرارا لزرع أخلاق الجرأة والشجاعة فيهم، فبدلا من أن يبلغهم كنعان في وقت قصير تركهم مدّة في صحراء سيناء وما حولها من الأماكن، وهيأ لهم هناك أغذية بدون جهد وتعب من جانبهم، منها ما هو حلو ومنها ما هو مالح ومنها ما هو صلب ومنها ما هو ليّن ومنها ما يطهى ومنها ما يؤكل نيئا في تنوع يرضي شتى الأذواق، ويسد الجوع، ويغذي الجسم، ويحفظ الصحة فبالغمام هيأ الله تعالى لبني إسرائيل الماء، وبالمن وفر لهم غذاء من الفاكهة والخضر، وبالسلوى زودهم باللحم والعسل وغيرها من المأكولات التي تسلي القلب، وإن كلمة “أنزلنا” جديرة بالتأمل فلا يعني هذا أن الله تعالى أنزل المن والسلوى من السماء، وإنما كانت مما ينمو على الأرض واستخدم لها كلمة “أنزلنا” لأنه تعالى هيأها لبني إسرائيل في ظروف غير عادية، فالنزول يدل على الإعزاز والإكرام، أو توفير شيء في أحوال صعبة، وعلى الذين يقعون بسبب كلمة النزول في أنواع الأخطاء في مسألة نزول المسيح المنتظر أن يتدبروا وينتبهوا إلى هذه الأساليب القرآنية.   فإذا كان إطلاق كلمة النزول على المنّ والسلوى وهما من نتاج الأرض ممكنا فكيف لايجوز استخدام النزول لمجيء المسيح المنتظر الذي خُلق على الأرض، وإن الحق أن ظهور نفس طاهرة مصلحة في مثل هذا الزمن المشحون بأنواع الفسق والفجور، يسمى نزولا في الاصطلاح الإلهي، وقد ورد للمسيح الموعود أيضا بنفس المعنى، وقوله تعالى ” كلوا من طيبات ما رزقناكم” يشير إلى أن هذه الأغذية بالغة الفائدة لكم في هذه الظروف، وسوف تسد حاجاتكم من الطعام والشراء، فالطيب يعني اللذيذ، الطاهر، الحسن، الحلو، الممتاز، وهذا يعني أن ما رزقناكم به من غذاء يكفل لكم لذة الطعم، ويساعد على صلاح أخلاقكم، وهو حسن حلو ممتاز في قيمته ومنافعه، فكلوا منه، وتخلقوا بمحاسن الأخلاق، واستعدوا للمهمة الجليلة التي تنتظركم، ولا يعني قوله تعالى أن الطيبات التي نزلت على تبى الله موسى وقومه من المن والسلوى هي الطيبات فقط، بل إن كل كلمة، مدحا كانت أو ذما، تعطي معنى نسبيا، فالشيء الذي يكون في وقت مفيدا، أو لشخص مفيدا، فإنه يكون ضارا في وقت أو لشخص آخر، والعكس صحيح أيضا، فالأشياء التي أعطيت لبني إسرائيل، وإن كانت من الطيبات بوجه عام، ولكنها نظرا لظروفهم عندئذ كانت طيبات لهم بوجه خاص، واستبدال أغذية أخرى بها لم يكن ليحقق الغرض الذي من أجله تركهم الله تعالى في صحراء سيناء، ويبدو من عبارة التوراة أن قدوم طير السماني كان بمثابة عذاب لبني إسرائيل، لأن غضب الله نزل عليهم قبل أن يمضغوا أول لقمة من لحمه.

فى طريق النور ومع رحلة التيه والمنّ والسلوى ” الجزء الأول ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى لقد دعا نبى الله زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه غلاما يرثه وأن يتولى الرئاسة الدينية في بني اسرائيل خوفا من المتلاعبين بالدين والجهلة، وقد استجاب الله تعالى له وبشره بالنبي يحيى عليه السلام وهو قائم بالمحراب يصلي، وكان زكريا متزوجا من امرأة لا تنجب، وقد كان كبيرا في السن، لكن الله تعالى رزقه بولد اسمه يحيى، بعد أن دعا ربه، تقدم السن بنبي الله زكريا عليه السلام، وتوزع الشيب في رأسه، وبلغ من الكبر أعواما كثيرة، وقد كانت زوجته عاقرا لا تنجب، فلما رأى من معجزات الله العظيمة، أراد أن يرزقه الله تعالى بولد صالح، فدعا ربه أن يرزقه غلاما تقيا، يرثه في العلم والنبوة، ويهدي الناس للخير، وحسب الروايات قد عاش نبى الله يحيى مع أبيه الشيخ الكبير زكريا عليهم السلام حياة مليئة بالدعوة والتقرب إلى الله تعالى، ولكن بنو إسرائيل الذين قتلوا الأنبياء والرسل قد تآمروا على قتل نبى الله زكريا، وقد بلغ زكريا بأن القوم تآمروا عليه لقتله، فهرب منهم ودخل الغابة يركض بين الأشجار وبنو إسرائيل خلفه معهم منشار يريدون قتله وقطعه عليه السلام، وقد رأى نبى الله زكريا شجرة كبيرة في الغابة قد فتحت له بعد أن أذن الله عز وجل لها أن تفتح ليختبئ بها، ولما دخل زكريا عليه السلام بها واختبأ كان إبليس حاضرا فأمسك بجزء من ثوب زكريا عليه السلام وأخرجه خارج الشجرة، وأغلقت الشجرة على نبى الله زكريا، وبذلك دل إبليس بني إسرائيل على مكانه فجاء بنو إسرائيل حول الشجرة وبدؤوا ينشرونها ونبي الله فيها، فلما وصل المنشار لجسد نبى الله زكريا عليه السلام. فأصبح يصدر أنينا عليه السلام من الألم، فقال له الله عزوجل يا زكريا لإن لم يسكتن أنينك لأقلبن الأرض بمن فيها فسكت زكريا رحمة بأمته حتى لا يهلكهم الله عزوجل ونشر نبى الله زكريا إلى نصفين، وبذلك كانت وفاته عليه السلام، وقتل بنو إسرائيل نبى الله زكريا والأنبياء والرسل إنما لعندهم وتكبرهم، ولأن أنبياء الله تعالى أتو بما لا يتناسب مع أهوائهم لقوله تعالى “أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون” وكان عندما سار نبى الله موسى عليه السلام بقومه في صحراء سيناء، وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء، وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة، وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه السمان، وقيل فيهما أن المن والسلوى أو كما يطلق عليها “من السما “أو ” ندى السماء” أو”العسل السماوى” وهي مادة صمغية دبقة يميل لونها إلى الخضار شبيهة بالدبس تنتج من أشجار الجوز المتقدمة في العمر وشجر البلوط وبعض الأشجار المختلفة التي تنمو في الأماكن المرتفعة في فصل الخريف، تتواجد حشرة صغيرة فوق جذوع هذه الأشجار تسمى “المن” وتقوم هذه الحشرة بإفراز هذه المادة الصمغية وتتجمع فوق الجذوع والأوراق ويطلق عليها الصمغ العربي ومن ثم يتم جمعها من قبل المزارعين في وقت الصباح الباكر حتى لا تتعرض للشمس وتفقد لزوجتها وتصفى من الشوائب. ويتم إضافة إليها مطيبات ونكهات مختلفة وبعض المكسرات وتكور بشكل كرات صغيرة وتدحرج في الدقيق وتقدم للأكل أو تحفظ في صناديق مصنوعة من الخشب لتحافظ عليها من عوامل الجو وهي ما يطلق عليها حلوى المن والسلوى، وتعتبر المن والسلوى هدية من السماء وإنتاج خالص من الطبيعة، وإنفرد العراقيون بإنتاجها وصنعها وخاصة سكان مدينة السليمانية، وقد تم ذكرها في القرآن الكريم، وقد تعددت الأقوال والتفسيرات في هذه الآية المخاطب بها بني إسرائيل وقيل أن معنى المن في الآية الكريمة هو طل يسقط على أوراق الشجر ويخثر ويصبح صمغيا وذو مذاق حلو كالعسل، وقيل أنه شراب العسل، وهناك قول آخر أن المن هو جميع ما منّ الله تعالى به على عباده من الخيرات والأرزاق والبركات من غير مجهود سابق ، وقيل أنه نوع من الحبوب يدخل في صناعة الخبز، وقيل أنه مادة صمغية كانت تنزل على أوراق الشجر، أما السلوى فإنه نوع من الطيور وقيل أنه طير من طيور الجنة، وأما عن بنى إسرائيل فقيل أنه حين اشتد بهم الظمأ إلى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى اثنى عشرا سبطا، فأرسل الله المياه لكل مجموعة، ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة، واحتج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية، وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى عليه السلام. أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة، وعاد نبى الله موسى عليه السلام يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه، ولقد سار نبى الله موسى عليه السلام بقومه في اتجاه البيت المقدس، وقد أمر موسى قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها، وها قد جاء امتحانهم الأخير، وبعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق، جاء دورهم ليحاربوا وذلك بوصفهم مؤمنين، قوما من عبدة الأصنام، فرفض قوم موسى عليه السلام دخول الأراضي المقدسة، وحدثهم نبى الله موسى عن نعمة الله عليهم، وكيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون وآتاهم ” ما لم يؤت أحدا من العالمين” وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال، فقالوا إن فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء، وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم، وتقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف، ولم يجد نبى الله موسى عليه السلام من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال، وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال، فقالا لهم إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر، ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم، ومرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم، فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في استطاعتهم أن يحاربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسى وربه، وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة ” فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون” وهكذا بصراحة وبلا التواء، فقد أدرك نبى الله موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء، فقد مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة، وعاد موسى إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه، فقد دعا موسى على قومه أن يفرق الله عز وجل بينه وبينهم، وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل، وكان الحكم هو التيه أربعين عاما، حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة، ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأن ينتصر، فيتبين لنا أن السحب كانت تظل مكانا يريد الله تعالى أن ينزلوا فيه أثناء عبورهم سيناء، وإذا أراد سفرهم أظلتهم مرة أخرى في السفر، ولكن سياق القرآن وكلماته تبين أن المراد من ظلال الغمام هو المطر، لأن السحب الداكنة المظلمة ممطرة عموما، وبيان القرآن، كما هي عادته، تصحيح لبيان التوراة، لأن وصف التوراة للسحب غير ضروري وغير معقول، فأي داع لإحاطة بني إسرائيل بالسحب لتوجيههم إلى المكان المناسب لإقامتهم؟ كان يكفي أن يوحى الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام ويخبره بذلك، ولقد ذكر القرآن إلى جانب الغمام المنّ والسلوى، ومن هذا يتبين أن تلك الفيافي المجدبة كان يعوزها الطعام والماء، فكان الله تعالى يطفئ عطشهم بالسحب الداكنة الممطرة، ويزيل جوعهم بالمن والسلوى. وإن من عادة الله المستمرة أنه يمنّ على عباده ببركات خاصة ليدرأ عنهم الأذى ويهيء لهم الراحة، وما فعل الله تعالى هذا في الماضي فقط بل يفعله اليوم أيضا مع عباده الصالحين، فلا يصح أن يراد بظلال الغمام أن الله تعالى كان يأمر السحاب لتتحرك معهم لتظلهم دائما حيثما حلوا وارتحلوا، إذ أن ظلال السحب المستمر نقمة لا نعمة، وكان بنو إسرائيل قد عاشوا عبيدا تحت الفراعنة لمدة طويلة، فأراد الله تعالى أن يعيشوا في البرية أحرارا لزرع أخلاق الجرأة والشجاعة فيهم، فبدلا من أن يبلغهم كنعان في وقت قصير تركهم مدّة في صحراء سيناء وما حولها من الأماكن، وهيأ لهم هناك أغذية بدون جهد وتعب من جانبهم، منها ما هو حلو ومنها ما هو مالح ومنها ما هو صلب ومنها ما هو ليّن ومنها ما يطهى ومنها ما يؤكل نيئا في تنوع يرضي شتى الأذواق، ويسد الجوع، ويغذي الجسم، ويحفظ الصحة فبالغمام هيأ الله تعالى لبني إسرائيل الماء، وبالمن وفر لهم غذاء من الفاكهة والخضر، وبالسلوى زودهم باللحم والعسل وغيرها من المأكولات التي تسلي القلب، وإن كلمة “أنزلنا” جديرة بالتأمل فلا يعني هذا أن الله تعالى أنزل المن والسلوى من السماء، وإنما كانت مما ينمو على الأرض واستخدم لها كلمة “أنزلنا” لأنه تعالى هيأها لبني إسرائيل في ظروف غير عادية، فالنزول يدل على الإعزاز والإكرام، أو توفير شيء في أحوال صعبة، وعلى الذين يقعون بسبب كلمة النزول في أنواع الأخطاء في مسألة نزول المسيح المنتظر أن يتدبروا وينتبهوا إلى هذه الأساليب القرآنية. فإذا كان إطلاق كلمة النزول على المنّ والسلوى وهما من نتاج الأرض ممكنا فكيف لايجوز استخدام النزول لمجيء المسيح المنتظر الذي خُلق على الأرض، وإن الحق أن ظهور نفس طاهرة مصلحة في مثل هذا الزمن المشحون بأنواع الفسق والفجور، يسمى نزولا في الاصطلاح الإلهي، وقد ورد للمسيح الموعود أيضا بنفس المعنى، وقوله تعالى ” كلوا من طيبات ما رزقناكم” يشير إلى أن هذه الأغذية بالغة الفائدة لكم في هذه الظروف، وسوف تسد حاجاتكم من الطعام والشراء، فالطيب يعني اللذيذ، الطاهر، الحسن، الحلو، الممتاز، وهذا يعني أن ما رزقناكم به من غذاء يكفل لكم لذة الطعم، ويساعد على صلاح أخلاقكم، وهو حسن حلو ممتاز في قيمته ومنافعه، فكلوا منه، وتخلقوا بمحاسن الأخلاق، واستعدوا للمهمة الجليلة التي تنتظركم، ولا يعني قوله تعالى أن الطيبات التي نزلت على تبى الله موسى وقومه من المن والسلوى هي الطيبات فقط، بل إن كل كلمة، مدحا كانت أو ذما، تعطي معنى نسبيا، فالشيء الذي يكون في وقت مفيدا، أو لشخص مفيدا، فإنه يكون ضارا في وقت أو لشخص آخر، والعكس صحيح أيضا، فالأشياء التي أعطيت لبني إسرائيل، وإن كانت من الطيبات بوجه عام، ولكنها نظرا لظروفهم عندئذ كانت طيبات لهم بوجه خاص، واستبدال أغذية أخرى بها لم يكن ليحقق الغرض الذي من أجله تركهم الله تعالى في صحراء سيناء، ويبدو من عبارة التوراة أن قدوم طير السماني كان بمثابة عذاب لبني إسرائيل، لأن غضب الله نزل عليهم قبل أن يمضغوا أول لقمة من لحمه.