Share Button

بقلم د. محمود محمد علي
مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط
عندما حدثت ثورة 25 يناير 2011 توهمت جماعة الإخوان المسلمين بأن اللحظة صارت مواتية لحكم البلاد ، بعدما يزيد علي سبعين عاماً من الصبر وقيامهم بخيانة الجماعة الوطنية ، لكي يصبحوا حكاماً لمصر بمفردهم بعد توثيق علاقاتهم ببعض القوي الإقليمية والدولية الداعمة لمشروعهم ، وانتشوا سريعاً بخمر السلطة، وأرادوا الاستحواذ عليها، وتمكين رجالهم من أخونة الدولة ، ولهذا خرج عليهم الشعب المصري في 30 يونيو لإنقاذ الدين والدولة .
وعقب هذا الخروج حاولوا أن يقدموا عدة مبادرات للصلح ، تحت عنوان “عفا الله عما سلف” ، إلا أنها لم تجد أدني اهتمام من جانب السلطة المصرية المؤقتة بقيادة الرئيس ” عدلي منصور” ، وعندما تولي الرئيس ” عبد الفتاح السيسي” حكم البلاد للمرة الأولي منذ 2014 ، كانت جماعة الإخوان تراهن علي فشله في تحقيق وعوده للشعب ، كما راهنوا علي أن شعبيته ستتبخر وتخرج عليه الجماهير مثلما خرجت ضد محمد مرسي وتنتهي رئاسته قبل موعدها .
وعندما فشلوا في بلوغ هذا الهدف ، تحول تأمرهم إلي عدم تمكين الرئيس السيسي من خوض الانتخابات لفترة ثانية ، لكنهم فشلوا مجددا بعد نجح الاصلاح الاقتصادي ، وتحمل الشعب بصبر دواءه المر ، وظهرت بشائر المشروعات القومية الكبرى في مختلف ربوع مصر وارتفعت مكانة مصر السياسية في عالمها كقوة إقليمية كبري ذات صوت مسموع في مختلف قضايا المنطقة.
وبعدما نجح الرئيس السيسي في انتخابات الرئاسة لفترة ثانية ، اتخذت جماعة الإخوان منحي جديدا له اتخذ شكل مختلف ومحتوي آخر ؛ حيث لجأوا إلي تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية ، وعنف الحملة الإعلامية المضللة التي تشنها قنوات الإخوان في تركيا ضد الدولة المصرية ، مع الترويج المستمر لمبادرة إسقاط مؤسسات الدولة وتعطيل أحكام الدستور ، وقلب نظام الحكم القائم في البلاد وعزل الحكومات والمؤسسات المنتخبة شعبيا ، ومنعها من ممارسة أعمالها ، ثم تأسيس مجلس رئاسي يتولي إدارة شؤون البلاد يضم ممثلين عن التنظيم الإرهابي والمتحالفين معه ، وفي الوقت نفسه إظهار البكائيات الإخوانية التقليدية وحديث المظلومية.
وفي هذه الأيام تحاول جماعة الإخوان الإرهابية اللجوء إلي رهان آخر ، وهو رهان الصبر علي انتهاء مدة الرئيس الثانية التي لا تخول له الترشح مرة أخري طبقا لما أكده دستور 2014 والذي لا يسمح للرئيس الحصول علي مدد أخري ، وبالتالي يجب الانتظار حتي نهاية المدة الثانية وهي 2022 ، وبعد ذلك سيتكرر سيناريو التاريخ طبقا لفهم قيادات الإخوان ، فلو نظرنا للتاريخ نجده يبين لنا كيف كانت هناك علاقة تعاون وتحالف بينهم وبين الرئيس جمال عبد الناصر ، ثم سرعان ما تحولت إلي صدام عنيف وكراهية من جانبهم ، إلي أن شاءت الأقدار وتم التصالح بينهم وبين الرئيس محمد أنور السادات ، وذلك بترتيب من الوهابيين ، وكان السادات قد أفرج علي العديد من المعتقلين والمسجونين من تلك التيارات ، وسمح لهم بالحركة والنشاط ؛ خصوصا في الجامعات ، وتم إعادة بعض مجلاتهم ومطبوعاتهم ، وتم إعادتهم إلي وظائفهم وحصلوا علي مكتسبات كثيرة ، أعادت الحياة للجماعة التي كانت محظورة ، وفي مقابل ذلك صمتوا عن أخطاء سياساته الداخلية والخارجية ، حتي تم اغتياله علي يد السلفية الجهادية.
وبعد ذلك هادنوا الرئيس حسني مبارك وأيدوا مشروع التوريث مقابل مكاسب سياسية ، حيث حصلوا علي اتفاق عرفي غير مكتوب بينهم وبين مبارك شعاره ” ألا يزاحموه علي الحكم” مقابل أن يتركهم يتوسعون في المجتمع المدني . ومع انشغال النظام بالمعركة ضد المتطرفين قدمت جماعة الإخوان التي كانت محظورة رسميا نفسها باعتبارها رمزا للرافد الإسلامي المشارك في الحياة السياسية ، وبسطت سيطرتها في مفاصل مهمة في المجتمع من نقابات وهيئات وأندية رياضية.
ثم ركبوا قطار ثورة 25 يناير 2011 وخرجوا علي حكم مبارك عندما وجدوا الفرصة سانحة لذلك ، واكتمل مشهد ” تكويش” الإخوان بفوز مرشحهم “محمد مرسي” بمنصب رئيس الجمهورية في يونيه 2012 وخلال عام حكمهم أقصوا كل شركاء الثورة بمن فيهم حلفاءهم السلفيين ، وذلك حين أصدروا إعلانا دستوريا أمم الحياة السياسية تماما ، وواجهوا المظاهرات السلمية أمام قصر الاتحادية بالرصاص ، حاصروا المحكمة الدستورية، وهددوا الإعلام ، وأزمعوا توريط مصر في حروب إقليمية في ليبيا وسوريا.
ثار الشعب ضدهم في 30 يونيه وخرج بالملايين إلي الشوارع مطالبا فقط انتخابات رئاسية مبكرة ، كما أرادوا بتوجيه صهيو – أمريكي بتشكيل كيان ثوري مناهض للحكومة القائمة ، وذلك في ميداني رابعة العدوية والنهضة ، وحتي يوم 3 يوليو ، كانت أمامهم فرصة ذهبية ليكونوا جزءا من المشهد السياسي ، لكنهم أصروا علي المعادلة الصفرية ، وتحدوا الجميع واعتصموا في ميداني رابعة والنهضة استنادا إلي الوعد الأوربامي ، وحينما تم فض الاعتصام بالقوة في 14 أغسطس 2013 ، كان الدم هو اللون الوحيد في العلاقة بينهم وبين السلطة الجديدة وغالبية فئات المجتمع .
الآن تراهن جماعة الإخوان الإرهابية علي الرجل القادم بعد السيسي آيا كانت شخصيته لن يكون بقدر قوته ولا شعبيته بين الجماهير ، فسواء كان الرئيس المقبل مدنيا ينتمي إلي تيار إسلامي ، أو قادما من قلب السلطة التنفيذية ، أو كان ينتمي إلي المؤسسة العسكرية ، تري جماعة الإخوان الإرهابية أن بمقدورهم التعامل معه والضغط عليه أثناء الحملة الانتخابية وما بعدها، ليقبل مبدأ الجلوس علي طاولة الحوار مع الجماعة ، وكأن الدولة والجماعة صنوان علي قدم المساواة ، وعفا الله عن إرهاب الإخوان.
بل قد يصل الأمر بقيادات الجماعة خارج البلاد وداخل السجون إلي طرح إعادة “محمد مرسي” إلي قصر الرئاسة بعد أني غادره السيسي دون إجراء انتخابات رئاسية ، وكأن المسألة هي ” عركة” بين رجلين ! ويظن الإخوان هنا أن مشكلتهم هي مع السيسي ، وربما مع الجيش ، وليست مع الشعب بكل اطيافه الوطنية ومكوناته.
غير أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن ، فقد نادت جماعة ائتلاف دعم مصر من خلال هاشتاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي بطلب لتعديل بعض مواد دستور 2014 في مصر ، وكان التعديلات الدستورية المقدمة من ائتلاف دعم مصر بالأغلبية البرلمانية طالبت بمد فترة الرئاسة إلي ست سنوات بدلا من أربع سنوات ، وإزالة القيد علي تحديدها ، واستحداث غرفة مجلس الشيوخ كمجلس شوري سابقا . وايضا تمثيل المرأة في البرلمان بنسبة لا تقل عن 25 % من النواب ، وأيضا تعيين نائب للرئيس لمعاونته في تأدية مهامه ، بالإضافة إلي التعديلات الأخرى التي يطول الحديث عنها.
وقد استجاب أكثر من ثلثي مجلس الشعب لهذا النداء ، حيث أدركوا أن الدستور الحالي رغم إقراره في ظروف صعبة ضاغطة دستور جيد في مجمله ، لكنه باليقين ليس الأفضل والأحسن ، ومن المؤكد أنه ينطوي علي عدد من البنود التي تحتاج إلي إعادة نظر .
وبالفعل أفاد رئيس مجلس النواب الدكتور ” علي عبد العال” أنه قام بإحالة الطلب الذي قُدم من خمس أعضاء المجلس وعددهم 120 نائبا من أصل 596 بتعديل بعض مواد الدستور للجنة العامة للبرلمان المكونة من رئيس المجلس ووكيله ورؤساء اللجان.
ماذا تفعل جماعة الإخوان لو أن مجلس النواب أيد إضافة مدد أخري للرئيس بدلا من مدتين وعُرض الأمر في استفتاء شعبي وجاء الاستفتاء مؤيدا لذلك بحجة أن ثماني سنوات للرئيس السيسي لا تكفي في إنجاز ما بدأه علي كافة الأصعدة الإصلاحية (الاجتماعية والسياسية والصحية والتعليمية.. الخ) .
اعتقد أنهم سيندمون ندما شديدا علي رهاناتهم ، وسيندمون أيضا علي أنهم تلاعبوا دائما بالمشاعر الدينية للمصريين لتحقيق أهدافهم السياسية.
والسؤال المطروح دوما : هل هناك مشروع أو خطة جاهزة للتنفيذ عوضا عن ذلك الذي تنادي به من تعديلات دستورية!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *