Share Button
تدني اللغة في حاضر الخطاب الديني معناه تدني الذوق في فهم الدين بالأساس، والذوق إحساس وشعور وترقية وجدانية قبل أن يكون حفظاً وتلقيناً وحشواً للأدمغة بتراثٍ صنعة رجال خضعوا لمقتضيات أزمانهم التي عاشوا فيها، فمن يحفظ ما قالوه ويردده الآن على أسماعنا ويطالبنا بترديده كمن يريد أن يجرنا إلى الوراء دون أن يضع في اعتباره تطور الزمن وتغيّر العصور والأحقاب.
صحيحٌ أننا لا ننكر ماضي هذا الخطاب الديني، ولا ننكر بعض الوقفات المستنيرة فيه، ولكننا أيضاً لا نقبله كلُّه ولا نرفضه كله ..
الذين يقبلون تراث الأجداد على علاّته كما هو، وبخاصّة في مجال العقائد الدينية دون أن تمسّ عقائد الدين مشاعرهم فتغذي بواطنهم بالإحساس بوجوب الاتصال بالحقيقة الإلهية فضلاً عن معرفة تلك الحقيقة هم يرددون أقوال الآخرين ممّن سبقوهم بلا فهم من جانبهم، وبلا إدراك منهم لخطورة ما فيها من جوانب السلب والقصور.
والذين يرفضون كل ماضي الخطاب الديني، يعجزهم تحصيله والوقوف على جوانب القبول فيه؛ ممّا من شأنه أن يكون قناة عابرة تصل طارقاً بتليد لتستقر عليها وحدة الشعور بين السابقين واللاحقين.
ليت الذين يستثمرون أوقاتهم في الفوز بمسابقات القرآن والتجويد وإتقان الفصحى وتخريج الأحاديث، أو ليتهم يقرأون حقاً فقه الشافعي ومالك وأبو حنيفة والإمام أحمد، ليتهم يُخْلصون في هذا العمل حتى منتهاه .. ليتهم يفعلون ذلك, على أقل تقدير كانوا سيكسبون شيئاً إنْ لم يكن في الدنيا ففي عالم المصير، لكن الذي يُلفت النظر بجدارة هو ازدواجية المعايير الخُلقية، وتردي القيم، وقلة العمل بالمعرفة أو انعدامه.
الخطاب الأيديولوجي في كفة والممارسة العملية والتطبيقية في كفة مغايرة، هُوَّةٌ سحيقة بين القول والعمل يترتب عليها استغلال الدين أسوأ استغلال .. والأمم تنتظر من حكوماتها أن تسدَّ رمقها بالتخطيط الاقتصادي، والتفكير في درء الفقر، والبحث عن أسباب الرزق، وكشف طرق العلاج من الأمراض والتقدّم في العلم بالعمل الدائم والتخطيط المقصود, ولا تنتظر منها اللجوء إلى تطويل الذقن وتقصير الجلباب واستهداف السَّهْتَنَة الدينية الخاوية من أي ملمح من ملامح التدّين المحمود. إنما العقل العربي في حاجة ماسة إلى نقد مرجعياته وهدم السلوك الذي يقوم عليها ممّا لم يكن مقرراً مقبولاً لا في عقيدة ولا في دين.
أنا شخصياً كنتٌ أعتقد أنه بوسع الناس أن تفرّق بين الدين من جهة والمتدينين من جهة أخرى، فالدين في ذاته مجموعة نصوص وأحكام وقواعد لا تظهر ذاتها بذاتها، ولكنها تتجسّد في أشخاص وتظهر من خلالهم : تصرفات ومواقف، وأحداث، بل ومجموعة قيم علوية عاملة وفاعلة، وحتى أفكار يؤمنون بها ويعتقدون, وتبيَّن لي خطأ ما كنتُ اعتقده, والصواب هو : أن أغلب فئات الشعب المصري لم تولي عناية لا للثقافة ولا للتفكير، ولم تقرأ لتميّز بين جيد الفكر ورديئه, ولم تطالع التاريخ بغية الاعتبار. وأن المظهر الخارجي يأخذها في الغالب عن المخبر الداخلي. وأن الأدعياء هم من يملكون حظوظ التفوق ويسيطرون على السّاحة الدينية والثقافية والعلمية سواء، مع أن الدين دنيا ومصير، وإننا محاسبون على كل كبيرة وصغيرة، على كل شيء، وأن الرقابة على القول، فضلاً عن العمل، مُهمّة إلهية سنحاسب عليها يوم تنصب للخلائق موازين الحساب.
وعليه؛ فلا تستغرب من فرط الجهالة وقلة تحكيم العقل واللعب بالخطاب الديني أن يكون التردي والنكوص سمة غالبة للتعبير والتفكير وأن يجئ همنا خذلاناً من خيبة مخزية؛ ويا له من خذلان !
بقلم : د. مجدي إبراهيم
Share Button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.