Share Button

حكمة الفراعين وعقيدة الموحدين

 بقلم : د. عصمت نصّار

لم تغفل مجلة السياسة الأسبوعية منذ ظهورها (13/3/1926م) عن واجبها الإعلامي تجاه رسالتها التي أنشأت من أجلها ألا وهي تربية الرأي العام، وتوعيته بحقوقه وواجباته تجاه مصر، وإعادة بناء مصطلح الوطنية في وجدان الشعب المصري بمنآى عن التعصب الديني أو الانتماء العِرْقي. فالوطنية المنشودة في كتابات حزب الأحرار الدستوريين، ولطفي السيد وتلاميذه هي الإخلاص في العمل من أجل مصر والانتماء والولاء لأرضها وثقافتها وحضارتها والإيمان بمشخصاتها إيماناً وجوديّاً لا تزعزعه المطامع الشخصية ولا ترهبه القوى الخارجية. والتأكيد على أن الحرية في الفكر والاعتقاد والنقد الأدبي والسياسي والاجتماعي حق لا تحميه المظاهرات أو الخطب الرنانة أو العنف والإرهاب أو توسلات لحاكم أو الدعاء لرب العباد لرفع الظلم والفساد والاستبداد. وأن دستور الأمة مُصان بقدر حماية المصريين لصوالح مجتمعهم والدفاع عن هويتهم ضد الجمود والراجعية والتبعية والتقليد والتطرف والتعصب في كل صوره والصراع الاجتماعي والطائفي بكل أشكاله، والاجتهاد في غربلة ثقافة الأمة بالقدر الذي يكفل لها – بجهود أهل الدّربة والدراية إحياء الأصيل من الموروث، وانتخاب النافع الطريف من المستحدث، والتأليف بين الدين والعلم، ورغبات الأفراد وانتمائهم وحقوق الوطن وسياسة الأمة.

وقد فطن كُتاب السياسة الأسبوعية إلى أن هذه المقاصد يصعب تحققها في ظل الخصومة المفتعلة بين الحكمة العقلية والمعتقدات النقليّة؛ الأمر الذي كان وراء حرص السياسة الأسبوعية على تزييل عددها التذكاري عن الفلسفة بتقديم دراسة رائعة عن الوحدانية عند المصريين والإيمان بوجود الإله المبدع الخالق الهادي إلى خير العباد وواهب البشر العقل والحكمة والعلم والحرية لتدبير حياتهم وتقويم أخلاقهم وتحقيق الرخاء والسعادة والتقدّم لبلادهم. وغايته من ذلك هو الربط بين المقصد العام الذي ينشده مشروعهم الحضاري ورغبتهم في ترغيب أواسط المثقفين في دراسة الفلسفة حيث النظر للعقل الحر باعتبارها آليتهم للنهوض والتقدّم، وبرهنتهم على إيمان الفراعين بديانة التوحيد لم يكن حائلاً بين تقدمهم العلمي ولا مجدهم الحضاري، فذلك على العكس ممّا أشاعه المغرضون الذين ربطوا بين الإلحاد والدين والتفكير العلمي.

وقد أضطلع بهذه المهمة “محمد نسيم جوهر” وهو متخصص في التاريخ المصري القديم الذي يُعد آنذاك من التخصصات النادرة في دوائر البحث التاريخي والأكاديمي. وقد أستهل مقاله مستشهداً بما كتبه المؤرخ الإغريقي هيرودوت (نحو 484 ق.م) عن ثقافة المصريين وانتماءاتهم الدينية “المصريون قوم يخشون الله أكثر من أي شعب آخر”. ويضيف “محمد نسيم جوهر”: (أن الخوف من عقاب الله، والأمل في رضاه جعلا المصري يحيا حياة نقية طاهرة ظهر أثرها واضحاً جليّاً في كل ناحية من نواحي معيشته الدنيوية). ويبيّن أن مظاهر تعدد المعبودات في الفكر العقدي المصري يرجع إلى أمرين: أولهما : المُعتقد الشعبي الذي كان يرى في الموجودات النافعة خيراً كثيراً تستحق من أجله الإكبار والتعظيم؛ لذا تعددت المعبودات المقدّسة وتباينت من إقليم إلى آخر.

وثانيهما: أساطير الكهنة التي حاولت جمع شتات معبودات الأقاليم المصرية في عالم من المثُل والربوبية، فراح رؤساء المعابد ينسجون الحكايات المتضمنة للقيم والمبادئ الصالحة التي ينبغي على المصريين غرسها في نفوس أبنائهم جيلاً بعد جيل، وتوضح لهم تدريجياً أن هذا العالم الإلهي شاغل بالفضائل والصفات التي تتجلى في المعبودات المتعددة، وهي في الحقيقة صفات مجرّدة من التشبيه والتجسيم وترد جميعها إلى إله واحد هو (خالق كل شيء في السماء والأرض ولم يخلقه أحد، وهو الإله الحي الحق الموجود منذ الأزل، وهو الخفي الذي لم ينقش على حجر ولا يُرى ولا يُعلم مقرّه ولا يُعرف اسمه ولا يوجد بناء يحتويه)، وليس له قرين ولا شبيه لم يلد ولم يُولد.

أمّا الصور والأشكال والرموز التي قدّسها العوام وتباركوا باقتنائها وتبجيلها وتعظيمها لم تكن من أشكال الشرك؛ بل يُعدها المصريون تجلياتٌ للإله مشخصة فيها، شأنهم في ذلك شأن المصريين المعاصرين. فمازال العوام في هذه الأيام يتباركون بالأحجبة والتمائم ويتوسّلون بأهل البيت وأولياء الله من أصحاب الكرامات وهم يعلمون جيداً بأن خيرهم ومنفعتهم نفحات إلهيّة لا فضل لهم فيها لأنهم لا يمنحون ولا يمنعون ما قدره الله على عباده.

وقد اجتهد الكهنة في تصوير العديد من القضايا الغيبية التي كانت تشغل أرباب الفكر والتأمل العقلي. منها أساطير نشأة الكون وخلود الروح والقدر والبعث والحساب. والغريب أن جانباً كبيراً من تصورات الحكماء والكهنة لهذه القضايا قد ورد في الكتابات المقدّسة (الإبراهيمية واليهودية والمسيحية والإسلام) غير أن الشاغل الأول للحكماء والكهنة المصريين هو ترسيخ القيم الخيرة والمُثل الراقية في أنفس الروح الجمعي وحث جميع أفراد المجتمع على القيام بالأفعال النبيلة التي تنجيهم من العذاب وغضب الإله، وتمنح الأبرار النعم والخيرات والرضا الإلهي.

وقد جعل الكهنة (الحياء والعفة والعدالة والرحمة والجود والتقوى والعلم والحكمة) على رأس الفضائل التي خصّ الله بها عباده، حكاماً ومحكومين، أغنياء وفقراء، رجالاً ونساء.

 أمّا الخرافات المتوارثة الخاصّة بالتفاؤل والشتائم والحسد والنحس والمرض والسعادة والحب والسحر والأرواح الشريرة والعفاريت والشياطين، فإنّ معظمها كان وليد الحكايات الوافدة من ثقافات الشعوب المجاورة واختلاق الكهنة للأحداث والوقائع التي تدفع الناس بتقديم القرابين والنذور والهبات للمعابد التي كانت مأوى للمعوزين والمكروبين والفقراء والمساكين. ووضح مفكرنا أن تجاور العلم والإيمان والحكمة العقلية والأساطير الخرافية في سياق حضاري واحد ليس غريباً في مصر فحسب؛ بل هو شأن كل ثقافات الشعوب قديمها وحديثها. ويكشف مفكرنا “محمد نسيم جوهر” عن زيف الادعاء الكاذب بأن المصريين القدماء قد اهتموا بالموت والعالم الغيبي أكثر من اهتمامهم بمشكلات الواقع وطموحات المستقبل؛ فذهب إلى أن المصريين كانوا يؤمنون بالخلود. وما الحياة الدنيا إلا فصلاً من فصول حياتهم الخالدة، وأنّ البعث والجزاء ما هو إلا تقييم لأفعالهم قبل الرحيل الذي سوف يتحدّد بمقتضاها سعادتهم في المستقبل ونعيمهم أو فنائهم وسنهم وعذابهم مع الأشرار في الجحيم. وتشهد بذلك أبحاثهم العلمية في الطب والفلك والكيمياء والتربية والفن والأخلاق والموسيقى والسياسة والقانون والاقتصاد، وجميعها تبرهن على حب المصريين للحياة وتفاؤلهم واستشرافهم للمستقبل وتخطيطهم للأجيال اللاحقة.

ويختتم مفكرنا حديثه عن فضل حضارة المصريين على الإنسانية ذلك الذي رددوه في المعابد وكتبوه على دور العلم ولقنوه إلى أبنائهم في الصغر وشدّوا على أيديهم؛ لتطبيقه في الكبر ألا وهو الدستور الأخلاقي الذي ميز المصريين عن دونهم من الأشقياء والغزاة والأشرار الطغاة الذين أفرطوا في الشهوات وارتكبوا كل المُوبقات.

وظل المصريون كذلك رغم تقلب الدهور عليهم, واحتيال الغزاة لتزييف هويتهم، وذلك كله بفضل ثوابت مشخصاتهم الجامعة بين الحكمة العقلية والوازع الديني والحدس الخُلقي والرقي الذوقي والإرادة التي لا تكل ولا تمل ولا تيأس في سعيها لتحقيق مقاصدها وغاياتها.  ويقول (كان المصري يتحلى بالأخلاق السامية, فقد وجدت برديات عديدة تحض على مكارم الأخلاق جاء فيها هذه الشذرات : (لا تنشر الفزع بين الناس حتى لا يضطهدك الرب لنحيا في سلام) (كتب حاكماً محباً لبلده : لم أحزن أي فقير, ولم أسئ معاملة الأرملة, ولم أعذب عمال الحقول, ولم يكن هنالك بائس في أيامي, ولم يكن هناك جوعان في وقتي حتى في أيام القحط. لقد زرعت الحقول شمالاً وجنوباً وجعلت سكانها يحصودها، فلم يكن هناك فقير, وكنت أعطي الأرملة كالتي لها زوج, ولم أميز بين الكبير والصغير). وعن حب المصريين للصدق وبغضهم للكذب (أنا صادق حقاً بدون خطيئة وذكر الرب على لساني). (نشط في عملي صنعت الطيبات في الأرض، ولم أدنس جسدي بالفحش والرذيلة، ولم أصرح إلا بقول الصدق للناس وقضاة العدالة حماة الفضيلة والضاربين على يد الأسافل ومرتكبي الرذائل. ولم ارتكب وزراً في حياتي ولم يكن لي خطيئة، ولذا أخرج من المحاكمة بالصدق وأنى أمدح وأمجد بالصدق؛ لأنه لا يستحق المدح والتمجيد إلا من كان صادقًا)ً

وحري بي أن أتعجب هل هناك أفضل من أن تكون الفلسفة هي سبيلنا في معرفة ثوابت مشخصاتنا، وأصول هويتنا وعُمد عقائدنا، والجميل من عوائدنا، والرفيع من ثقافتنا, وذلك في ختام حديث مجلة السياسة الأسبوعية عن فوائد تعليم أبنائنا للدروس الفلسفية وتدريبهم على مراجعة الحِكم العقلية وتشجيعهم على استخدام النهوج النقدية؛ لغربلة ما يقابلهم من معارف وأخبار ووقائع ومشاهدات وأحداث!

ونتسأل من جديد: أليس من الواجب علينا أفراداً وجماعات, حكاماً ومحكومين, أرباب أقلام ومنابر, طلاب علم ومقلدين أن نعيد قراءة شذرات أجدادنا المصريين عوضاً عن ما نحن فيه ما يعجز لساني عن ذكره حتى لا تتلوث مسامعنا بأقوال وأخبار وأفاعيل أكابر المشاهير المصريين المعاصرين؟

(وللحديث بقيّة عن مقالات مجلة السياسة الأسبوعية)

بقلم : د. عصمت نصار

 

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.