Share Button

د. محمود محمد علي
مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

ما زلت أؤمن ، بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن الاتحاد السوفيتي قد سقط بترسانة حروب الجيل الرابع ، وهذه الترسانة أخذت عدة مراحل :
المرحلة الأول : ويتمثل في فكرة “الحرب النفسية”، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع التي اتخذتها “الولايات المتحدة الأمريكية”، لمواجهة المد الشيوعي والأيديولوجية الماركسية في أوربا والشرق الأوسط، وفي هذه الحرب النفسية شرعت الولايات المتحدة في تسخير كل الطاقات والقدرات والامكانات، التي تملكها للتأثير علي الطرف الآخر؛ حيث حاولت الولايات المتحدة من خلال الحرب النفسية بث الشائعات، من أجل إثبات أن الشيوعية صادمة للفطرة ، وأنها ضد الحريات وضد الدين وضد القيم، وذلك من أجل التأثير على مشاعر وأفكار المعتنقين للأيديولوجية الماركسية، ومحاولة تغيير سلوكهم وانتمائهم الإيديولوجي؛ علاوة علي إثارة المشاكل الاجتماعية، والنعرات الطائفية، والدينية، والعرقية، والسياسية بين دول الاتحاد السوفيتي. وقد برزت الحرب النفسية من خلال فكرة “الحرب الباردة”، والتي اتسمت بأن أطرافها كانت تسعى إلى استثارة الطرف الآخر وتوسيع نفوذها على حساب الطرف الآخر وإرهاقها باستخدام أسلوب إشعال نيران الفتن والحروب داخلها، وهي على العكس تماماً من الحروب الساخنة بافتقارها للنيران والضرب والقصف. وهذه الحرب تمثل ” نهج سياسي عدواني اتخذته الولايات المتحدة ، للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وبالتحديد في نهاية الأربعينات” (9). وقد اتسمت هذه الحرب بسباق التسلح، وبالذات السلاح النووي وتأسيس القواعد العسكرية المحاطة بالاتحاد السوفيتي ، وكذلك استخدام القوة في العلاقات الدولية، ورفض كل المحاولات الجادة لحل النزاعات الدولية عن طريق المفاوضات (10).
المرحلة الثاني : ويتمثل في “حرب العصابات” ، وهي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع، وهي حرب غير تقليدية بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي؛ حيث تتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبياً مدعمة بتسليح أقل عدداً ونوعية من تسليح الجيوش، وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي. ومقاتلو حرب العصابات يتفادون الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيلجأون إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها؛ بحيث يكون تأثيرها موجعاً للخصم. والاسم الأجنبي أصله إسباني ويعني الحرب الصغيرة. وهذا هو ما فعلته الولايات المتحدة حين سلطت المجاهدين الأفغان بأن يؤججوا هذا الحرب، حين قام الاتحاد السوفيتي باحتلال لأفغانستان في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979م .
المرحلة الثالث : وقد بلغ هذا المستوي أعلي ذروته في تصدير فكرة “الدولة الفاشلة”، فالهدف الأساسي من حروب الجيل الرابع، هو أن تصبح الدولة المستهدفة “دولة فاشلة”، حيث قاما “صندوق دعم السلام the Fund for Peace”، (وهو مؤسسة بحثية مستقلة)، ومجلة فورين بوليسي Foreign Policy الأمريكية بدراسة حول الدول الفاشلة أو الضعيفة، وتوصلا إلي بعض الخصائص لوصف الدولة الفاشلة، منها علي سبيل المثال لا الحصر : فقدان السيطرة الفعلية على أراضيها، وضعف السلطة الشرعية في البلاد، وعدم القدرة على تقديم قدر معقول من الخدمات العامة؛ وأخيراً عدم القدرة على التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فعال في المجتمع الدولي .
ولاشك أن التاريخ يشهد بأن أعراض فكرة الدولة الفاشلة، تجسدت من خلال فترة حكم “جورباتشوف” للاتحاد السوفيتي من سنة 1985-1991 ؛ حيث خرج علينا بمفهومي “البريسترويكا” و”الجلاسنوست” ، وكان هذان المفهومان يمثلان مقدمات انهيار وتفكيك الاتحاد السوفيتي، فالبريسترويكا والذي يمثل “التفكير الجديد للسوفيت وللعالم أجمع”، فهو تعبير خرج به “جورباتشوف” على العالم بشكل عام، وعلى الشعب السوفيتي بوجه خاص – وعَدّه كما أسماه في كتابه الذي أصدره يحمل هذا الاسم – أنه تفكير جديد لبلاده وللعالم. ورأى “جورباتشوف” أن البريسترويكا ضرورة ملحة لتطوير المجتمع، الذي كان يمثل واحدة من أقوى الدول في العالم. ثم في مرحلة معينة، وبالتحديد في النصف الأخير من السبعينيات، بدأت البلاد تفقد قوة اندفاعها، وتكرر الإخفاق الاقتصادي بصورة أوسع، وبدأت الصعوبات تتراكم والمشاكل تتضاعف، وبدأ في الظهور ما يُسمى بالركود وتباطؤ في النمو الاقتصادي وتدهور في معدلات نمو الدخل القومي. وبدأت بحلول الثمانينيات تحدث فجوة في غير صالح الاتحاد السوفيتي في كفاءة الإنتاج وجودة المنتجات، والتطور العلمي والتكنولوجي، وبينما صواريخه كانت تطير إلى كوكب الزهرة بدقة عالية، كان هناك نمواً هابطاً أثر سلباً بشكل خطير على المجال الاجتماعي.
وأما الجلاسنوست والذي يعني “الانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي”؛ حيث تكون ممارسة البريسترويكا من خلال توفير المعلومات كافة والانفتاح وازدهار النقد والنقد الذاتي لأداء الحزب الشيوعي السوفيتي، فيما عرف بالجلاسنوست، جعل كلاً من الحزب والشعب يضعان تقييماً عميقاً وموضوعياً بما يؤدي إلى التعجيل بالتطور الاجتماعي والاقتصادي. ويُعَدّ الجلاسنوست من وجهة النظر الحزبية الشيوعية شرطاً حتمياً للتعبير عن الجوهر الديموقراطي للنظام الاشتراكي، وهو شرط لممارسة الحقوق الدستورية، وحريات المواطنين، وهي أداة لتشكيل علاقات دولية حديثة، وتعكس علانية النظام السياسي للمجتمع.
وهنا سقط الاتحاد السوفيتي في 1991، وأصبح يمثل دولة فاشلة خاصة بعد أن ظهر عليه عدد من الأعراض، أولها افتقاد سلطة جورباتشوف قدرتها على السيطرة الفعلية على جميع أراضِ اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، وهذا الاتحاد كان يمثل دولة دستورية شيوعية، شملت حدودها أغلب مساحة منطقة أوراسيا في الفترة ما بين عامي 1922 وحتى 1991، وثانياً فقدان الاتحاد السوفيتي لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. وثالثاً عجز الاتحاد السوفيتي عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة. ورابعاً عجز اتحاد السوفيتي عن التفاعل مع الدول الأخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية، الأمر الذي نتج عنه سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتحوله إلى كومنولث، وبالتالي إعلان رابطة الدول المستقلة.
وهنا أصبح المسرح العالمي للسياسة الدولية مُهَيَّئاً لاستقبال الولايات المتحدة الأمريكية، لتفرض هيمنتها وسيطرتها على العالم وتحكمه، من خلال القيام بدور شرطي العالم أو قاضي الصلح. وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمي، التي تحاول فرض السيطرة على العالم في المجالات كافة، سياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وثقافياً، وعسكرياً. كما تحاول فرض قواعد نظام عالمي جديد يتفق مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، تدعمها أدواتها الحربية والتكنولوجية والمادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *