Share Button

يوسف كرم وقراءة مُبكرة لفلسفة الدين

(2)

بقلم : د. عصمت نصَّار

لم يعوّل “يوسف كرم” على المنهج الوصفي والسياقات السردية في دفاعه عن أصالة مبحث الميتافيزيقا في الفلسفة؛ بل راح يناقش ويحلل ويكشف عن المفارقات ويؤكد على سلامة الآراء المنسوبة إلى الفلاسفة – قدماء كانوا أو محدثين – أو خطأها؛ الأمر الذي يفصح عن غايته في هذا المقال، ألا وهي لفت الأنظار إلى أهمية مبحث الميتافيزيقا وجعله في موقع المركز في ميدان الدراسات الجامعة بين العقل والنقل أو الفلسفة والدين؛ كاشفاً عن العديد من الأخطاء التي وقع فيها المترجمون والمصنفون، ولا سيما في نقلهم مضمون موقف الفلاسفة من الميتافيزيقا، وانعكس بدوره على موقفهم من الغيبيات والدين.

ويشير مفكرنا إلى الفلاسفة العقليين الذين أدركوا أن الظواهر الحسية والانطباعات المزاجية لا تنتج العلم شأنها شأن المعارف الموروثة؛ فالعقل وحده عندهم هو الذي ينتج المعارف اليقينية عن طريق التجريب ومقابلة المشاهدات الجزئية بالمسلمات العقلية التي يستنتجها الذهن من الحدس العقلي والحصاد التجريبي الذي تستحيل فيه المعارف الجزئية الحسية إلى معارف ذهنية على نحو مطابق للواقع؛ فليس هناك تصورات منفصلة عن النتائج التجريبية في العقل الخالص عند الفيلسوف الألماني كانط (1724-1804م)؛ متأثراً في ذلك بما ذهب إليه العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن (1642-1727م) الذي بيّن (أن العلم الرياضي ممكناً لأن له مادة هي الأشكال والأعداد المركبة في الحس بصورتي المكان والزمان)، وكلاهما أنكر تماماً التصورات المجردة، وكذا الأفكار التي لا تخضع إلى التجريب الحسي.

أمّا فكرة خلق العالم ووجود الروح أو النفس المستقلة عن البدن، ووحدانية الإله، وكل هذه المسائل؛ لا تخضع للتجربة الحسية، وبالتالي تخرج عن حدود العقل الطبيعي النظري ومشاهداته، وتستقر في الوجدان حيث العقل العملي الذي يحتكم إلى الضمير والحس الخلقي والحكمة الكلية الشاملة في حكمه على وجود الموجودات غير المحسوسة. (فالحرية والخلود والله : الأصول الثلاثة للعقل العملي) الذي يقضي مبدأ الواجب بوجودها في العقل ويدرجها ضمن اليقينيات الإيمانية. ويعني ذلك أن هذا الضرب التجريبي الذي يميز بين العقل النظري والعقل العملي لا ينكر وجود الله والروح وهما من أكثر المسائل تعقيداً في ميدان التجريب الحسي؛ بل يجعلهما من اليقينيات التي تُسلم الفلسفة الأولى بوجودها.

وعليه؛ فمن الخطأ جحد أو إنكار مالا يعتقد العقلي النظري بوجوده على الإطلاق؛ وذلك لوجود الدين وتبعاته من العقائد الإيمانية تستمد براهين وجودها من الحدس الوجداني الذي يسلّم عند كانط بوجود المُثل العليا والخير المحض وخلق العالم على حدود العقل.  

ويقابل “يوسف كرم” بين فلسفة كانط الترنسندنتالية (Transcendental) والفلسفة الواقعية (Philosophical Realism) المادية هي التي ترى أن الأشياء بالذات فوق متناول الفكر، والفكر لا يستطيع أن يدرك سوى العلاقات والقوانين، وأن الظواهر الحسية هي التي تنتج المعرفة دون غيرها. أما المُثل العليا التي يؤمن بها العقليون اليقينيون من المطلقات التي لا وجود لها في الواقع. ويمثل هذا الاتجاه الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1798-1857م) والفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (1820-1903م). وكلاهما ينظر للميتافيزيقا على أنها خرافة، إذ يذهب الأول إلى (أنّ العقل الإنساني مرّ بثلاثة أطوار هي : لاهوتي وميتافيزيقي، وواقعي أي علمي) وفي الطور الأخير رغب العقل الإنساني عن معتقداته في الطورين السابقين؛ أي وجود الله والسببية الغيبية والتصورات المجردة وغير ذلك من الأمور الخارجة عن نطاق التجربة الحسية. وأهتم في الطور العلمي (بدراسة الظواهر الطبيعية واستكشاف قوانينها ورد الظواهر الجزئية إلى ظواهر كلية تقل عدداً بتقدّم العلوم).

ويضيف مفكرنا أن أوجست كونت لم يجحد الغيبيات والدين فحسب؛ بل جحد الفلسفة أيضاً التي قادت العقل الإنساني وزجت به في عالم المجردات والتصورات التي لا يقنع العلم بها. ورغم ذلك يؤكد مفكرنا أن إنكار أوجست كونت للإلهية وعالم الغيب لا يعني عدم وجودهما في العقل البشري؛ بل إنه يعتقد أن الذين يؤمنون بالمعارف التي سادت في الطورين السابقين على العلم، مازالوا يعيشون في الطور الفلسفي الميتافيزيقي الشاغل بالمعتقدات والقيم الروحية التي يصفها بالخرافة والتخلف والرجعية.

وقد استفاض “يوسف كرم” في شرح هذا الرأي في كتابه “الطبيعة وما بعد الطبيعة” الذي ظهر قبيل وفاته في نشرة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة. الذي يُعد في رأيي باكورة الدراسات الفلسفية العربية في فلسفة الدين. ويقول في ذلك إن أوجست كونت كان يعتقد (بأن هذه الطريقة هي التي أفلحت في تكوين العلم، والعلم الذي أولد عنها يجب أن يحل محل الفلسفة، فكلما أمكن معالجة مسألة بالملاحظة والاختبار، انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم وحُلت حلا نهائياً. أمّا المسائل التي تقع تحت الملاحظة؛ فخارجة عن العلم. وتاريخها يدل على أنها لم تتقدّم خطوة واحدة منذُ أن وضعت وينطق بأنها غير قابلة للحل كما أن نجاح العلم الواقعي يقضي بإمكانه على الحل؛ وبأنه المجال الحقيقي للعقل).

 وينتقل مفكرنا إلى “هربرت سبنسر” الذي رفض نظرية أوجست كونت – رغم اتفاقهما في جحد الميتافيزيقا – التي تجاهلت أثر العوامل الثقافية والبيئية الموجهة للعقل الإنساني إلى التفكير العلمي الناتج عن تطور المجتمعات وارتقاء الثقافات. وليست قوانين آليةً أقرب إلى الحتمية في أطواره، من العوامل الأنثروبولوجية.

ولعلّ هذا التحليل الذي قدمه “يوسف كرم” يبرر آراء العقلانيين من الفلاسفة الذين جمعوا بين التفكير العلمي والإيمان بالغيبيات في آنٍ واحدٍ، تبعاً للثقافة السائدة وليس لقانون الأطوار الذي ادعاه أوجست كونت.

ويمضي “يوسف كرم” في تحليلاته ويوضح أن “هوبرت سبنسر” لم يقطع بعدم وجود العالم الغيبي أو التصورات الميتافيزيقية؛ بل نجده يقرر بأن تفكيرنا (بمنطق العلم) في المحسوسات يقضي بوجود أشياء أخرى خارج نطاق المحسوس ليس في قدرة العقل ادركها باعتماده على العلم التجريبي وحده. (فالنظر في العالم المدرك يؤدي إلى اللامدرك كما أن القول بأنا لا نستطيع معرفة المطلق يتضمن أن هناك مطلقاً، والقول بأن معرفتنا قاصرة على الظواهر يتضمن تصورنا الشيء بالذات)أي أن إدراكنا بالمحسوس لا ينفي وجود أشياء في العقل لا يمكننا إدراكها بنفس الآلية.  

ويستشهد “يوسف كرم” باعتراف سبنسر (بأن اللأ أدرية ليست مرادفة للإلحاد؛ فأنها تعترف بالمطلق وتعتبره أسمى من الإنسان فتبقي الباب مفتوحاً للعاطفة الدينية. ولا محل للفلسفة الأولى؛ فإنّ العقل إذا حاول أن يتصوّر المطلق وضع نفسه إزاء المطلق وجعله غير مطلق. وإذا خاص العقل سائر المسائل الميتافيزيقية وقع في تناقض وتباينت نظرياته. فالفلسفة الأولى لا مدركة ولا يقابلها العقل سوى استعداد طبيعي فيه لتوحيد المعرفة، وهذا الاستعداد يجد رضى في الفلسفة الواقعية التي هي عبارة عن توحيد العلوم توحيداً تاماً ووسيلتها في ذلك قانون التطور من المتجانس إلى المتنوع، وهو أعمُّ القوانين).

 ويُجمل مفكرنا رؤيته لفلسفة الدين أو مشروعه الذي أطلق عليه “الميتافيزيقا العاقلة” في هذا القول الذي صدر به آخر مؤلفاته التي أشارنا إليها سلفاً (الطبيعة وما بعد الطبيعة): (أثبتنا في كتاب “العقل والوجود” أن للإنسان قوة دراكة متمايزة من الحواس، تُدعى العقل شأنها أن تدرك معاني المحسوسات مجردة من مادتها ومعاني أُخر مجردة من ذاتها. وأن تؤلف هذه المعاني في قضايا وأقيسة واستقراءات، فتنفذ في إدراك الأشياء إلى ما وراء المحسوس، محاولة استكناه ماهيته، وتعيين علاقاته مع سائر الموجودات.

ولمّا كانت موضوعات العقل مجرّدة، كانت أفعاله التي ذكرناها مجرَّدة كذلك، فأبطلنا المذهب الحسي الذي يقصر المعرفة الإنسانية على الحواس، ويرمي إلى أن يرد إليها ويفسر بها سائر المدركات. وبعد إثبات وجود العقل بوجود موضوعاته وأفعاله، عرضنا لقيمة الإدراك العقلي؛ فأدحضنا مذهب الشك المنكر لجميع الحقائق، حتى الحسية منها، والهادم للعلم من أساسه؛ وأدحضنا المذهب التصوريّ الذي وإن آمن أصحابه بوجود العقل وبمدركاته العقلية فهم يقصرون هذا الوجود على داخل العقل، ويعتبرون هذه المدركات التصورات فحسب؛ فينكرون على الإنسان حق الخروج من التصوّر إلى الوجود. وبعد إثبات بطلان تلك الدعاوي بينا تهافت المذاهب الميتافيزيقية المبنية عليها).

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. عصمت نصَّار

 

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.