سميح مسعود على دروب الأندلس

سميح مسعود على دروب الأندلس
Share Button

بقلم : سليم النجار
تلقيتُ كتاب”على دروب الأندلس”للأديب د. سميح مسعود كما لو أنه هبة،وكل إبداع هو “هبة المستقبل” كما يقول سارتر.. ليوقظ جنون أصابعي، ويستفز إيقاعات وتناغمات قريحتي المرهونة بحالات النص.. ولمْ أذهب إليها بأحزاني، رغم شوقي لقراءته، عند سقوط أول نجم ثافبٍ من سماء حروفه، وسطوره وفصوله.
كنتُ أمامَ مؤلف الكتاب ومبدعه وجهاً لوجه في عمّان ، وكنت سعيداً بالتعرف على هذا المنتمي حتى النخاع لفلسطينيته… و في” على دروب الأندلس” الصادر عن”الآن ناشرون وموزعون”2018. يجيدُ مسعود العناق الساخن، والإبتسامة المتفجرة ريحاناً وأماناً وحميمية، باحثاً عن علاقات صباحيةٍ في كل مكانٍ تطؤه قدماه :”رفع سحر الحديث الجاري من آماد خيالاتي، حلقتُ أبعدَ وأبعد في أطراف مدينة قرطبة، باحثاً عن المكان الذي طار منه عباس بن فرناس، وفي لحظة أفقت من تخيلاتي على صوت محمود، وهو يذكرني بأنّ الوقت يمضي بسرعة، ولا بد من مواصلة السفر إلى قادش.” (ص173).
بدا لي أن سميح مسعود سعيدٌ بهذا العمل العربي الجريء الذي تصبحُ فيه الأفكار أوطاناً جديدة ويستطيع المبدع من خلاله أن يحكم التاريخ، ويعيد صياغته، ويضع له أبجديةً جديدةً، بل ويؤثر من خلال الكتابة في التاريخ، بحسب تعبير سارتر… والهدفُ هو الرقيّ بإنسان المكان:” بدأتُ يومي في هذا الصباح بالمشي باتجاه ساحة الفنا، وسرعان ما وصلت شارع الأمير رشيد، واستأنفت فيه المشي، وبعد فترة قصيرة وصلت الى شارع اليرموك، ومنه انحرفت إلى شارع القصور، ثم واصلت المشي ببطء إلى أن وصلت ساحة ” الفنا” القلب النابض لمدينة مراكش للفرجة والترفيه، التي تعتبر واحدة من أهم الساحات في العالم.” (ص 65).
أقام مسعود كرنفالات دائمة للكلمات في”على دروب الأندلس” يعد أن توفرت له الجرأة والشجاعة وهما وفقاً لباولو كويلو، ( الفضيلة الكبرى لمن يبحث عن لغة العالم) فقد كان مسعود جريئاً وهو ينثر ورودَ العالم، لا يستحدث له لغة وأحلاماً وحسب، إنما ليرسمُ الصورة الفضلى، ولكن هذه المرة بدموع الشمس، وأنين الأرض الظامئة إلى ظل الشجر الآمن:” مضى الوقت بطيئاً، وقررت إشغال وقتي بالقراءة… وفي الحال أخذت أقرأ رواية” علي : قصة رجل مستقيم” للروائي الفلسطيني حسين ياسين، كنت قد وضعتها في حقيبة حاسوبي، وفوجئت أنها تدور حول مناضل أممي فلسطيني إسمه علي عبد لخالق تطوع في عام 1937، للقتال في صفوف الجمهوريين ضد الفاشية،وقد حارب ببسالة حتى سقط شهيداً في أرض العركة، وتم دفنه في إسبانيا.” (ص52.)
وبقدر ما بي من ظمأ للقراءة – الحلم، أحسست أنني بقراءة” على دروب الأندلس” ارتوي لفرادة سميح مسعود في أسلوبه التلقائي الشاعري، وجرأته في سبر مكامن الذات الجريحة:” وبعد فترة وجيزة توقفت أمام محل ضخم للعطور اسمه “بانيو دي لوس للعطور” دخلته لابتياع بعض حاجتي، أثارتني ضخامته وكثرة المتسوقين فيه ، وكثرة باعته، اهدتيت بسرعة إلى ما أريده، ولكنني تفاجأت عندما وجدت ما يشير إلى وجود صابون نابلسي معروض للبيع فيه، اتجهت إلى قصم الصابون ووجدت ما يؤكد ذلك، آخذت قطعة ووجدت أنها من منتوجات مدينة نابلس الفلسطينية، المعروفة بانتاج الصابون من زيت الزيتون، كما وجدت على غلاف القطعة ما يثبت جودتها بشهادة مختبرات إسبانية. ابتعت قطعاً من الصابون النابلسي، واتجهت إلى الشخص المسؤول، وعبرت له عن اهتمامي لما وجدته لديهم من منتوجات بلادي، استقبلني بحفاوة، وأعلمني أنّ ما يقومون به عبارة عن دعم يقدمونه لأهل فلسطين عن طيب خاطر.”(ص 285.)
هنا جمرُ المكان المتوقد… حيث وُلد (العربي) في أحضان (الأندلس) ، وتكون في رحم (غرناطة) وبمباركة الجد( عبد الرحمن الداخل).
الهموم واحزان المكان توقظ في الفتى الحالم هواجس الرحيل… لا لآجل الغياب، بل لآجل الحضور حين يسقط من ذاكرة الهامش والإهمال وأنياب الواقع، إلى أن يصبح عنوان الندى والورد والحلم في حدائق الوجود:” استساغ “عدنان” هذا الجانب من حديثي، وقال بصوت هادئ: ستجد من أمثالهم في كل إسبانيا، لأن ثمانية قرون جمعتهم مع العرب، لها صدى قويّ في نفوسهم، يعودون بها للوراء، ويشعرون باعتزاز بكل ما تزخر به الحضارة الأندلسية.” (ص189.)
وفي لحظة صلح مع الذات يتحقق حلمُ التمييز والتفرد، وتكون للذات حكايةٌ مؤرخة بجمر المعاناة… حكاية تعجز عن وضعها الكلمات، لأنها تتعدى الكلمات، حيت تذهل التاريخ وهي تربك سطوره، وتستولي على قرائح رواته : ” ثم أضاف مستدركاً، لهذا لا يشعر العربي بالغربة في إسبانيا، يسهل عليه الاندماج، بشعبها في سياق حياته العادية،جوانب كثيرة تشابكت في خصال الناس، تأصلت جذورها، ولها أثرها العميق في تمتين العلاقات العربية الإسبانية..” (ص 189.)
أهيَ سيرة الراوي (الكاتب العربي) أم سيرة الجماعة المحبطة مبّددة الأمنيات، أم سيرة الوطن الصغير ( فلسطين) المشدود لخاصرة الشمس بحثاً عن الآمان والتاريخ والضحكة من القلب؟… ام هي فصل من سيرة الوطن الكبير المصادر، والداخل في الغياب:” ألقتْ إضاءاتٍ تاريخية على العاصمة الأوروبية الوحيدة التي تحمل اسماً عربياً”مجريط” المعروفة الآن باسم مدريد، وفي الحال سألتها عن أصل الكلمة، فأجابت بأنها ممزوجة باللغتين العربية واللاتينية، الشق الأول منها عربي”مجرى” يشيرإلى جريان المياه، والشق الثاني لاتيني وهو”إيتو” ويعني الكثرة أوالوفرة لتدفق المياه من حولها، وبهذا تعني “مجريط” مجاري المياه الوفيرة. ومن أصولها التاريخية، بينت لي أن الأمير القرطبي محمد الأول هو الذي أسسها…”(ص 220.)
أهي سيرة وطٍن يتفجر، يثور على نفسه، يتجدد بالمزيد من الدمع والدم والحزن، يبحث عن صباحات وعن طفولة ٍ لمْ يذق عسلها أبناؤه الذين وجدوا أنفسهم مصادفة ، في مهد الألم والضياع، أم أنها أسيرة الجماعة الحالمة بالغد تحت مظلة الديموقراطية والوحدة والتآلف، وفي النهاية قبض الريح، والخسارة والخذلان !؟ هذا في الحاضر أما في الماضي فسميح مسعود له نافذة تبعث على الأمل:” استمتعت بحديث مانويل وهو يستحضر فيها وميض تفاصيل معلومات متشعبة عن مدينته، تبدّى لي منها أن سكانها أصولهم من اليمن.” (259.)
منح سميح مسعود نفسه لحظات مغايرة، مما سمع من محدثه، وعاش مع واقعه بعيداً عن الكلمات هناك في العالم العربي:” سكت لحظة، ثم آضاف: أشعر بالحزن والألم على “اليمن” المكلوم بالحرب والصراعات وانهيار مقومات الحياة.”(ص 260.)
وينتقل مسعود في كتابه على دروب الأندلس” من المتخيل الذي هو صفة الأدب بمجموعه، كما يرى أندريه مورو في “كتابه الإنسان العابر والأدب” إلى الواقعي الذي هو “الجوهر” في أدب ميشيل بوتور… إلى التسجيلي أيضاً كأسلوب إثارة ودهشة، في كلمات منتقاة وجمل رشيقة ، لا تفقدها المباشرة المُلحة عَطرَها، عبر سياق الأحداث من دون أي حدث فنيّ أو تقني:” عُرفت باسمها الحالي” غرناطة”أيام العرب ويَعني في اللغة اللاتينية “شجرة الرمان” بلون ثمارها الأحمر الغامق، ومن حيث موقعها، فإنها تقع على سفح جبال” سيرا نيفادا” على ارتفاع سبعمائة وخمسين متراً فوق سطح البحر، عند التقاء ثلاثة أنهر: دارو “حدرة” وشنيل، وبايرو، وهذا يكسبه خصوصية فريدة وجمالاً أخاذاً لا يُضاهى، يُلازمها منذ بدء نشوئها الكوني ..” (ص 277.)
تظل الدهشة تطاردني على مدى قراءة الكتاب. ولهذا جعل سميح مسعود من عمله ” على دروب الأندلس” جديداً، مُدهشاً، مستفزاً ، مستلهماً مقولة همنغواي ( جئت كي أعاكس هذا العالم) فهو يحرك المياه الراكدة، ويجدد الدماء من التاريخ المَنْسّي، وردحاً يخدشُ المحّرم، ولكنه لا يستهجنه، ولا يلغيه،إنما يجرحُه بعطر وردة… وهبة نسمةٍ ومرارة أمنية،وعاصفةِ دعاء ساخن.

ahramasr.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: