الموقع الرسمى للجريده
Share Button

الدكتور محمود محمد علي 

ما زلت أؤمن ، بل ربما أكثر من أي وقت مضي ، بأن ثورة 1919 تعد ثورة رائعة اشتركت فيها طوائف الشعب المصري بكافة عناصره وطبقاته وبرزت فيها وحدة الدولة ، وجاءت فيها النفوس بأرواحها في سبيل رفعة البلاد ومجدها، وهي بلا شك ثورة شعبية جاءت للتحرر من الاحتلال الانجليزي الغاشم علي مصر، حيث دعت إلي الاستقلال وعودة الوطن المسروق إلي أهله ، كما جاءت تلك الثورة بعد أيام من خروج بريطانيا من الحرب العالمية الأولي ، وقد خرجت من القري قبل أن تخرج من المدن، إذ جمعت بين الفقراء والأغنياء ، والمثقفين ، من الرجال والنساء والبشوات والفلاحين والموظفين والعمال. كما ساهمت المرأة المصرية بدور كبير في هذه الأحداث واتحد عنصري الأمة مسلمين وأقباط وعلي رأسهم “مكرم عبيد” الذي قال :” إنني مسلماً وطنياً قبطياً ديناً وإن الدين لله والوطن للجميع “.
بدأت أحداث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات في أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الإقليمية. تصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. استمرت أحداث الثورة إلى شهر أغسطس وتجددت في أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع واستمرت إلى عام 1922، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور عام 1923 بإعلان الدستور والبرلمان.
وقد قامت ثورة 1919 بتلقائية وطنية كشفت عن مولد زعيم اسمه “سعد باشا زغلول” الذي التقت حوله الجماهير، لكونه يمثل أيقونة تلك الثورة التي تدعو إلي مطالبة الإنجليز بالجلاء عن الوطن والاستقلال التام عن مصر والسودان ، مما جعل بريطانيا تضطر تحت الضغط الشعبي إلي التصريح من جانب واحد، بأن مصر مملكة ذات سيادة تتمتع بحكم دستوري نيابي، ورغم اختلاف وجهات النظر تجاه بريطانيا بين “سعد زغلول” و”عدلي يكن”، إلا أن الثورة المصرية سارت في طريقها الذي يعبر عن آلام الشعب المصري تحت قيادة سعد ولم يجانب الزعيم الهندي “غاندي “والذي لقب بقديس السلام الصواب عندما قال عن سعد :” لقد كان المعلم الأول لثورات الشرق ، وقد تعلمنا منه في الهند كيف نثور علي بريطانيا”.
كانت ثورة 1919 أول حركة ثورية في مصر تتخذ شكلاً عنيفاً ضد الاحتلال وقواته منذ ثورة عرابي ، فقد تميزت الحركة الوطنية منذ الاحتلال 1882 حتي قيام ثورة 1919 باقتصارها علي الوسائل السلمية التي اعتمدت عليها الأحزاب السياسية من خلال التشهير بمساوئ الاحتلال في المحافل الدولية ولدي الدول الأوربية الأخرى وعقد الاجتماعات للتعريف بهذه المساوئ لأفراد الشعب وإلقاء الخطب وكتابة المقالات التي تلهب حماس الجماهير في الصحف المختلفة المصرية وغير المصرية والدعاية للقضية الوطنية في الخارج بمختلف الوسائل الإعلامية . ولكن في ثورة 1919 لجأ المصريون إلي أسلوب جديد تميز بالعنف والثورة، لتحقيق الأهداف الوطنية التي اجتمعت عليها طبقات الأمة وعناصرها.
ولم تكن ثورة 1919 ثورة دينية أو اجتماعية تفرق بين طائفة من الطوائف أو طبقة من الطبقات دون الأخري ، ولكن هذه الثورة توحدت وانصهرت فيها جميع الطوائف والطبقات أمام عدو واحد مشترك، ومن هنا يمكن القول أن ثورة 1919 كانت ثورة سياسية في أهدافها ونتائجها التي أبهرت المستعمر الغاضب لأرض مصر ، وهي تعد بحق من الثورات الناجحة في تاريخ الحركات القومية، وقد وضح نجاحها ليس في المجال السياسي فقط، ولكن في المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، وكانت أحد المقدمات الرئيسية لقيام ثورة 23 يوليو 1952.
ثمة نجاح آخر للثورة يتعلق بنظام الحكم فلقد كان لها الفضل الأكبر في تقرير النظام الدستوري، وتوجت بذلك مثابرة طويلة وشاقة ، استمرت لمدة أربعين عاما سابقة علي الثورة ، فقد بدأ المثابرة في سبيل الحصول علي الدستور الذي قد بدأ العمل به في أواخر عهد اسماعيل وذلك لمحاولة التخلص من مساوئ الاستبداد وإنقاذ البلاد من تدخل الدول الأجنبية وهيمنتها علي الشؤون الداخلية لمصر ، وكذلك التدخل الأجنبي الذي بدأ في ذلك العصر ونجاح الأحرار في دعوتهم الوطنية.
وثمة نجاح آخر للثورة يرتبط بالنجاح السياسي ألا وهو النجاح المعنوي الذي تبدي واضحا في كتابة الثورة لصفحة مجيدة من البطولة والتضحية تضاف للسجل الوطني عبر التاريخ الطويل لمصر من خلال أبناء مصر الذين استشهدوا في الميدان يدافعون عن قضايا الوطن وحريته وبعث روح الجهاد ، وإحياء روح الإخلاص في النفوس حبا لله وللوطن. وكانت الثورة سبباً في التقاء الشعب بكل طوائفه وطبقاته علي هدف واحد ، فأصبحت تلك الثورة بذلك سببا لتماسك بنيان الوحدة الوطنية.
كما ترتب علي ثورة 1919 عدة نتائج هامة من أهمها :- انتهاء الحماية البريطانية علي مصر وإقرار الحياة النيابية عام 1922 ، ونجاح الثورة في وضع حد لأطماع إنجلترا التي كانت ترمي لبسط سلطانها علي مصر ، وإقرار النظام الدستوري فتوجت بذلك جهاداً طويلاً شاقاً استمر حوالي أربعين عاما سبقت الثورة ، وكذلك كان للثورة أثرها في النهضة النسائية فقد شاركت المرأة المصرية في الثورة وكن ذلك بداية لتأليف جمعيات نسائية تمارس بعض النشاطات في المجالات الاجتماعية وغيرها ، كما أسهمت الثورة في إيجاد نهضة عمالية فقد شارك العمال في الثورة ، وأصبحوا أداة هامة من أدوات الحركة الوطنية. ومن الناحية الاقتصادية ، أوجدت الثورة تقدماً اقتصادياً وفي عام 1922، تم إنشاء بنك مصري يحافظ علي حقوق المصريين.
وكذلك من أهم نتائج ثورة 1919 هي ظهور حزب الوفد الذي كان له تواجداً قوياً وتأثيراً واضحاً في الشارع المصري من قبل العامة والخاصة، والذي كان يعرف بحزب الأغلبية ، وأيضاً بالحزب الجماهيري الكبير، وكان طوال تواجده يحمل مبادئ سياسية واجتماعية معلنة ، وهي تحقيق استقلال البلاد من خلال مؤسسه سعد زغلول الذي كرس حياته من أجل وطنه لتحقيق غايته، وهي استقلال مصر وإبعاد الاحتلال الإنجليزي.
د. محمود محمد علي
أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like