فى طريق النور ومع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات ” الجزء الثالث عشر “

فى طريق النور ومع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات ” الجزء الثالث عشر “
Share Button
إعداد / محمـــد الدكـــروى
ونكمل الجزء الثالث عشر مع مكارم الأخلاق وبناء الحضارات، وإن من مكارم الأخلاق هو مراعاة أحوال الكبار وإكرامهم، والرفق بالصغار ورحمتهم، فيقول صلى الله عليه وسلم” ليس منا من لم يعرف حق كبيرنا، ويرحم صغيرنا” رواه أحمد، ويهتم بأمر الجار والضيف فيقول صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت” رواه البخارى ، وكذلك يحث على الرفق ويأمر به فيقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ” أى أعابه” رواه مسلم، وفي حسن معاملة اليتيم والاهتمام به يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا” رواه البخارى، ويأمر بالتواضع وينهى عن الفخر، فيقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد” رواه مسلم، ويحث على الأمانة وعدم الخيانة فيقول صلى الله عليه وسلم ” أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك” رواه البخاري، وفي التقاضي يقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم” إن خياركم أحسنكم قضاء ” رواه البخارى، وفي البيع والشراء يقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “من غشّنا فليس منا” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم “رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى” رواه البخارى.
وإنه يرسخ قيمة وخلق العدل لأهميته في بناء المجتمع والأمة في كلمته ووصيته التي خلدها التاريخ، حينما رد شفاعة حِبه أسامة بن زيد في العفو عن المرأة المخزومية التي سرقت، فقال صلى الله عليه وسلم “أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” رواه البخارى، وإن من مفاتيح إصلاح المجتمع والحفاظ عليه النصيحة بآدابها، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “الدين النصيحة” رواه البخارى، وإن هذا الذي ذكرناه من أقواله وأحاديثه صلى الله عليه وسلم في بعض الأخلاق والقيم قليل من كثير، وغيض من فيض، مما لا يمكن الإتيان على جميعه في مقال أو كتاب، ولقد صار حسن الخلق مطلبا ملحا للأمة تبرز به الوجه الحضارى للإسلام، وتسترجع به سالف عزها وسابق مجدها، فقد كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا لِما يرون من حسن معاملة المسلمين وجميل أخلاقهم، وأسوتهم وقدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان خلقه القرآن، واهتم بالأخلاق ورفع شأنها فقال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وإن من الخلق هى الشجاعة كما عرفها ابن القيم فقال “هي ثبات القلب عند النوازل” ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان أشجع الناس على الإطلاق، والسيرة النبوية مليئة بالمواقف الدالة على مدى شجاعته وقوته، تلكم الشجاعة والقوة التي تجلت في أروع صورها جهادا في سبيل الله تعالى.
وثباتا عند الشدائد والنوازل، ودفاعا عن الحق ونصرة للمظلومين، وقد شهد له بذلك أصحابه وأعداؤه، إذ كان صلوات الله وسلامه عليه من الشجاعة بالمكان الذي لا يجهل، حضر المواقف والمعارك الصعبة، وهو ثابت لا يتزحزح، قال علي رضي الله عنه “كنا إذا حمي البأس أى بالقتال، واحمرّت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه” رواه أحمد، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال “كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فخرجوا نحو الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبى طلحة عُري، أى مجرد من السرج، وفي عنقه السيف، وهو يقول لم تراعوا، لم تراعوا أى بمعنى لا تخافوا ولا تفزعوا” رواه البخارى، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه “ما رأيت أشجع ولا أنجد، أى بمعنى أسرع في النجدة، من رسول الله صلى الله عليه وسلم” وإن الأمثلة الدالة على شجاعته وقوته صلى الله عليه وسلم من سيرته وحياته كثيرة، ومنها شجاعته صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وأحد وغيرهما من غزوات، فقد قاد النبي صلى الله عليه وسلم المعارك والقتال بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه، وقد شُج في وجهه، وكُسرت رباعيته كما روى البخاري ومسلم، وأيضا في يوم حنين فقد ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه الآلاف من هوازن، بعد أن تفرق عنه الناس خوفا واضطرابا من الكمين المفاجيء الذي تعرضوا له من هوازن، ويصف البراء بن عازب رضي الله عنه.
هذا الموقف فيقول لرجل سأله” أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال ” أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى، ولكنه انطلق أخفّاء من الناس وحُسّر أى من لا سلاح معهم، إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل أى قطيع، من جراد فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو صلى الله عليه وسلم يقول ” أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب” رواه مسلم، فلم يفرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من معركة قط، وما تراجع خطوة واحدة حين يشتد القتال، ولكن تقوم الحرب وتشرع السيوف، ويدور كأس المنايا على النفوس، فيكون صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظات العصيبة أقرب أصحابه من الخطر، لا يكترث بعدوه ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، ومن ثم كان أصحابه يحتمون به عند النوازل والشدائد وهو ثابت شجاع، قال البراء “كنا والله إذا احمر البأس أى الحرب، نتقى به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به ، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ” رواه مسلم، وقال ابن كثير في تفسيره بعد سياق هذا الحديث “وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة، وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفر ولا كر ولا هرب، وهو مع هذا يركضها على وجوههم وينوه باسمه” وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال “غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاه قبل نجد، فأَدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في القائلة، أى في واد كثير العضاه أى شجر فيه شوك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إِن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف صلتا أى مسلولا، في يده فقال من يمنعك مني؟ قلت الله، فشام السيف أى رده في غمده، فها هو ذا جالس، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم” رواه مسلم، وقال ابن حجر في فتح الباري “وفي الحديث فرط شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه عن الجهال” ولقد كان فى قوته البدنية صلى الله عليه وسلم حكايات وأمثله، ومن أمثلة قوته صلى الله عليه وسلم البدنية هو ما حدث يوم حفر الخندق في غزوة الأحزاب، ففي أثناء حفر الخندق عجز الصحابة رضوان الله عليهم عن كسر صخرة عظيمة عرضت لهم في طريق الحفر، فاستنجدوا بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول وضربها حتى عادت كثيبا أهيل، كالرمل الذي لا يتماسك، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول ثم قال” باسم الله” فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال”الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال باسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر.
فقال الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال باسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا” رواه أحمد وحسنه الألباني في فقه السيرة، وفي قصة مصارعته صلى الله عليه وسلم مع ركانة وغلبته له، دلالة على مدى قوته صلى الله عليه وسلم البدنية، فقد بلغ ركانة من القوة أنه لم يستطع أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض، وقد روى هذه القصة أبو داود وغيره، وفي بعض روايات هذه القصة ضعف، وهناك رواية حسنها الألباني وفيها ” وقد صارع النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم رجلا معروفا بقوته يسمى ركانة، فصرعه أى غلبه وهزمه، فالنبى صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم صارعه وكان شديدا، فقال شاة بشاة، فصرعه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال عاودني في أخرى، فصرعه، فقال عاودني، فصرعه النبى صلى الله عليه وسلم الثالثة، فقال الرجل ماذا أقول لأهلي؟ شاة أكلها الذئب، وشاة نشزت، فبما أقول في الثالثة؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم” ما كنا لنجمع عليك أن نصرعك ونغرمك، خذ غنمك” وقال ابن كثير في البداية والنهاية “وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال يا محمد، ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك.
وما كان أحد أبغض إليّ منك،‏ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّ عليه غنمه” ولقد كانت شجاعة وقوة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أمرا ظاهرا في حياته وسيرته، فيقول القاضي عياض “أما الشجاعة والنجدة، فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان صلى الله عليه وسلم منهما بالمكان الذي لا يُجهل، قد حضر المواقف الصعبة وفرّ الكماة أى الفرسان الشجعان، والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومُقبِل لا يُدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحيطت له فرة وحفظت عنه جولة، سواه “غيره صلى الله عليه وسلم” ومع هذه الشجاعة البالغة، والقوة العظيمة التي كان يتحلى بها صلى الله عليه وسلم، إلا أنها لم تكن أبدا شجاعة وقوة بطش إلا في مواطن قتال الأعداء والجهاد في سبيل الله، فمن الثابت والمعروف عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يضرب امرأة ولا خادما أبدا، ولم ينتقم لنفسه قط، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت ” وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى” رواه البخاري، وفي رواية لمسلم قالت السيدة عائشة رضي الله عنها ” ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما له ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله” ومن ثم فقد كانت أخلاق نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مضرب المثل والقدوة، فهو شجاع في موطن الشجاعة، قوي في موطن القوة، عفو في موطن العفو، رحيم رفيق في موطن الرحمة والرفق، فصلوات الله وسلامه عليه.

ahram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: