Share Button

د. محمود محمد علي 
إن الاحتفال والاحتفاء بثورة 1919 يمثل فرصة حقيقية لتجديد شباب الوطنية المصرية، وتعزيز الانتماء الوطنى، فى مرحلة يواجه فيها العالم تحديات ومخاطر تستهدف الهوية والدولة الوطنية.
فلا شك أن ثورة 1919 هى الحدث المؤسس للهوية الوطنية المصرية والحداثة السياسية فى مصر؛ ولقد صدق مؤرخ الوطنية المصرية عبدالرحمن الرافعى حين وصفها بأنها ثورة سياسية بكل معانى الكلمة، ولم يشبها تعصب دينى، ولا صراع طبقى، بل كان رائدها الوحدة القومية، سواء بين المسلمين والأقباط، أو بين طبقات المجتمع من أغنياء ومتوسطين وفقراء، ولم تنتفض أى طبقة على الأخرى، كما جرى فى كثير من الثورات الدموية فى فرنسا أو روسيا أو إسبانيا أو غيرها.
إن ثورة 1919 نقلت الوعى الحداثى بمشروع الدولة الوطنية من دوائر الفكر النخبوى للمثقفين والساسة التقدميين إلى مستوى الجماهير الشعبية، أو المواطن العادي، في كافة ربوع الوطن في الريف والحضر على السواء. فقد كانت الثورة أعنف فى الريف المصري. وبدأها الطلبة في القاهرة، وتسلمها العمال والفلاحون فى المدن والأرياف المصرية، كما كان للمرأة المصرية دور بارز في الثورة، امتد أثره إلى المشاركة الفعالة للمرأة المصرية في ثورتي 25 يناير، و30 يونيه.
ولعل أروع ما أبرزته هذه الثورة ١٩١٩ تلك اللحمة الوطنية بين الأقباط والمسلمين، وتجلى هذا في الهتاف التاريخي «يحيا الهلال مع الصليب» والذى يرادفه الآن هتاف “إيد واحدة”.
إن ثورة 1919 كانت استثنائية ومتفردة على أكثر من مستوى فهي مثلا لم ترفع شعارات لمطالب داخلية وكان لها هدف وطني واحد وعام وهو إعادة زعيمها سعد زغلول من المنفى والسماح له ولصحبه السفر لمؤتمر الصلح في باريس لعرض قضية مصر فى المطالبة باستقلالها فضلا عما تبعها من إقرار دستور 1923 وإجراء انتخابات كانت حرة ونزيهة بالفعل.
لقد أنتجت ثورة 1919 حالة ثقافية وفكرية هائلة، فكان أن ظهرت حركة إبداعية كبيرة، وجيل كبير من الكتاب والمبدعين أثرت فيهم الثورة، واستطاعوا أو يؤثروا بأعمالهم الخالدة فى الشعب على مدى أجيال متتابعة إلى الآن. وأذكر من هؤلاء: نجيب محفوظ، عباس محمود العقاد، توفيق الحكيم، طه حسين وهلم جرا.
إن احتفالنا بثورة 1919 ترسيخ لمعاني الوطنية في زمن تعصف فيه العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات بمعاني الهوية والسيادة والأوطان. مثلما هو تذكير بأيام مجيدة من عمر الوطن، اعتلى فيها رجال الكنيسة منابر المساجد، وخطب شيوخ المسلمين في الكنائس، ينادون على مستقبل وطن واحد وشعب واحد.
د. محمود محمد علي
مركز دراسات المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *