Share Button

د. محمود محمد علي
عضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

حظي المصطلح السياسي بقدر كبير من الاهتمام من فلاسفة العرب ؛ فهذا ابن سينا (428هـ) يتابع الفارابي في تعريفه للسياسة – ويظهر لنا بوضوح في رسالته “السياسة” والتي استهلها بضرورة وجوب السياسة وأنها منهج عام لإصلاح حياة الإنسان”. لكن إذا كان الفارابي قد قسم رسالته في السياسة بعد مقدمته لها إلى:
– سياسة المرء مع رؤساءه.
– سياسته مع أكفاءه.
– سياسته مع من دونه ويختم بذكر سياسة المرء لنفسه.
فإننا نجد ابن سينا يقسمها إلى:
– سياسة الرجل نفسه
– سياسة الرجل دخله وخرجه.
– سياسة الرجل أهله.
– سياسة الرجل ولده.
– سياسة الرجل خدمه.
وكان ابن سينا قد ترك لنا الكثير من الآراء السياسية، المباشرة أو غير المباشرة، موزّعة في كل كتبه تقريباً، ولا سيما في “الشفاء” و”النجاة”، ولكنه خص السياسة العملية أو الحكمة العملية، أو “السياسة” في كل اختصار بكتابين هما: “كتاب العهد” و”كتاب علم الأخلاق”. أما الكتاب الأساس في هذا المجال، فهو الكتاب الذي وضعه في “السياسة المنزلية” وسمّاه “كتاب السياسة”، ذلك أن ابن سينا كان يرى، مبكراً، أن السياسة الكبرى لا تصنع إلا انطلاقاً من السياسة الصغرى. ومن هنا نراه يهتم كل هذا الاهتمام بالجانب الأولى من السياسة الجانب العملي المرتبط بالمواطن مباشرة.
وانطلاقاً من “كتاب السياسة” هذا، وفي التفات إلى الكثير من الشذرات والكتب العملية الأخرى التي تركها ابن سينا، يلخص الباحثون ومن بينهم الأب يوحنا قمير آراء ابن سينا في فروع العلوم السياسية بحسب تصنيفه وهي: الأخلاقية والمنزلية والمدنية على الشكل التالي: السياسة الأخلاقية التي ترتبط بسعي الإنسان للوصول إلى الكمال في اكتساب العلم والفضيلة؛ حيث إن أصول الفضائل أربعة: العفة والشجاعة والحكمة والعدالة… وتتفرع من هذه الأصول فضائل عدة أخرى – السياسة المنزلية؛ حيث إن الإنسان يحتاج إلى قوت يبقى به شخصه، ومنزل يخزن فيه ما يقتنيه، وزوج تحرس وتدبر، و”بالزواج يكون الولد، وتكون الحاجة إلى الخدم”، ومن ثم تكون سياسة الرجل مرتبطة بنفسه وماله وزوجه وولده وخدمه -. أما في مجال السياسة المدنية فيرى ابن سينا “إن الاجتماع ضروري لضرورة التعاون بين الناس. وإذا كان الاجتماع كانت المدينة، وكانت الحاجة إلى نبيّ يضع السنن، ثم إلى خليفة يرعاها”.
وفي هذا الإطار يسهب ابن سينا قائلاً: “إن الله خلق الناس متفاضلين في عقولهم وآراءهم، متفاوتين في أملاكهم ورتبهم وذلك لئلا يفنيهم التنافس والتحاسد، وكي يبقى سبيل للخدمة والترافد”. ويفسر باحث هذا بقوله: ان المذهب السياسي السينوي يقوم “على التفاوت الطبيعي بين الناس، وهو تفاوت يرده ابن سينا إلى موضوعة نزوع الكل نحو الوجود: لو كان الناس كلهم ملوكاً أغنياء لتفانوا عن آخرهم، نظراً للتنافس والتحاسد، ولو كانوا كلهم “سوقة” أو استووا في الفقر، لماتوا ضراً وهلكوا بؤساً. ولذا كان على كل منهم أن يقنع بما هو عليه: على الغني أن يعرف أن ثروته تعوِّض، إلى حد ما، عن العقل الذي عدمه، “وذو الأدب المعدم، إذا تفقد حال الثري الجاهل، لم يشك في أنه فُضِّل عليه وقُدِّم دونه، حيث يقول ابن سينا: ذو الصناعة، التي تعود عليه بما يمسك رمقه، لا يضبط ذا السلطان العريض، ولا ذا الملك المديد”.
وفي هذا الإطار يرى ابن سينا أن أمور المجتمع تسير على النحو المطلوب بفضل تقسيم العمل بين المدبّرين الحكام والحفظة الجند – الحراس، بالمعنى الأفلاطوني للكلمة والصنّاع. وبنية المجتمع يجب أن تكون هرمية، يحتل قاعدتها العبيد وهنا يستند ابن سينا، إلى دور العامل الجغرافي. فهو يعلن الترك والزنج وأمثالهم “عبيداً بالطبع”. والعمل النافع للمجتمع يكون حقاً على كل مواطن. أما الأشخاص غير القادرين على العمل، أو الذين لا يشتغلون بصنعة كالحفظة فتؤمن لهم الدولة معيشتهم، وذلك من أموال الخزينة، التي تردها في صورة ضرائب على الأملاك والمداخيل، أو غرامات مفروضة على أصحاب الجنايات، كاللصوص ولاعبي القمار، أو غنائم .
ولنلاحظ هنا كيف أن ابن سينا يولي الزواج والحياة المنزلية أهمية اجتماعية خاصة، حيث يؤكد لنا أن الإنسان المشرع، أو النبي، عليه أن يدعو إلى التزاوج لأن فيه بقاء النسل، ويحرّم الزنا لأنه قد يغني عن الزواج، ويجب أن يقع الزواج وقوعاً ظاهراً كي يسلم النسب من الريب والمواريث من الخلل. ثم “يجب أن يكون الزواج ثابتاً، فلا يشتت شمل الأولاد والوالدين”. وعليه “لا تعطى المرأة حق الفرقة، بل تعطى حق اللجوء إلى الحكام ليقرروها، ويفرض على الرجل، إن أراد الفرقة، غرامة”. ويعرف ابن سينا، هنا “سياسة الرجل لنفسه” بأنها تقوم على مبدأ، “أن على الإنسان أن يعرف مساوئه، مستعيناً بأخ لبيب مرادٍ، مستهدياً بما يخبره من أخلاق الغير، معاقباً نفسه على المعصية، مثيباً على الطاعة”. ويؤكد ابن سينا هنا أن “أحوج الناس إلى معرفة عيوبهم الرؤساء، لاسترسالهم في الأهواء، ولأن العدو يرهب تعبيرهم، والصديق نصيحتهم والمداهن يغدق عليهم الثناء الكاذب”. وإذ يقول ابن سينا أن، ” الإنسان يأمر الأهل بتربية الأولاد والأولاد بخدمة الأهل وإكبارهم”، يؤكد على أن “خليفة الإنسان عليه معرفة الشريعة، وعليه أن يجمع بين العقل والأخلاق وحسن السياسة”. وعليه: “أن يدعو إلى ممارسة الفضائل ويقاتل أعداء السنّة ويفرض الأعياد. وهو أيـضاً يفرض العدالة في المعاملات ويعاقب المخالفين، وعليه أن يعتدل في المزاج، ولا يتشدد ولا يتساهل” .
ومن الواضح هنا أن اهتمام ابن سينا بالسياسة والتدبير وبالحكمة العملية، لم يأت لديه من خلال تأمل فكري بحت، أو غوص في النزوع الفلسفي، بل من خلال تجربة معاشة، جعلته، لمراحل متفرقة من حياته يعيش في خضم اللعبة السياسية. فابن سينا، المولود العام 980 م/ 370 هـ. والراحل في العام 1036/ 428 هـ. ولد في بيت علم وجاه، ما جعله في احتكاك بشؤون الحكم والتدبير باكراً. ثم ازداد هذا الاحتكاك حين قيض له، إذ مرض نوح بن منصور، حاكم بخارى، أن يعالجه ويشفيه، ليجد نفسه داخل البلاط، محيطاً بالحاكم. ثم لما مات أبوه وهو في الثامنة عشرة، رحل عن بخارى و”جدّ يبحث عن أمير يقدره”، وينتهي به المطاف، بعد مساع طويلة، إلى بلاط شمس الدولة، أمير همدان. وأصبح وزيره بعدما شفاه هو الآخر من مرض عسير. وصار في ظله يقوم بأعباء الوزارة نهاراً، ويقبل على العلم والشراب ليلاً. وحين مات شمس الدولة، انتقل ابن سينا ليضع نفسه في خدمة علاء الدولة أمير أصفهان. وهو ظل هناك حتى مات، وفيها وضع أهم كتبه، ولا سيما ما يتعلق منها بالسياسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *