Share Button

الأعدقاء الثلاثة

بقلم : د. عصمت نصّار

 لا أدري على وجه الدقة مَن مِن الكُتاب القدماء أو المعاصرين اضطلع بتحليل العلاقة بين الفلسفة والدين والسياسة، ووصف رجال تلك الميادين بالأعدقاء. لأن كل منهم يرى في رصيفه (الصديق اللدود، والعدو الودود) وذلك لأن المصلحة هي التي تجمع بينهم جميعاً وسرعان ما تتصالح المصالح وتتنافر أيضاً بدرجات متفاوتة في التقارب أو التباعد، وما أكثر الدماء التي سُفكت على يد الساسة بسيف الدين. كما يشهد التاريخ بأن رجال الدين قد تحالفوا مع الساسة للإطاحة برؤوس الفلاسفة وقصف أقلامهم.

وما أصدق تلك الكُتب التي وصفت رجال السّاسة وكهنة المعابد على مر التاريخ بالعنف والاستبداد. فكلاهما يحتضن الآخر وفي يده خنجر مسموم انتظاراً للوقت المناسب لغرسه في ظهر من يعانق طمعاً في مكانته وسلطانه. وقد أكدت العديد من الدراسات أن علاقة الكاهن بالسياسي مثل علاقة الثعلب بأخطر أنواع الثعابين.
أمّا علاقة السياسي بالفيلسوف فهي أقل خطورة وذلك لأن معاركهما تكون محدودة المآلات إذا ما قُرنت بصراع الفلاسفة والكهنة.

فالسياسي يودُ أن يقود الفيلسوف ويوجه حكمته لخدمة مصالحه، وإذا تمرّد رماه بالجنون أو الخيانة أو الفساد أو الإرهاب. أما إذا أمسك الفيلسوف بعجلة القيادة فلن يرضيه ألاعيب السياسي فيقوم بتهذيبه، وينزع من يده عصى الاستبداد طمعاُ في بناء المدينة الفاضلة وإلزام المجتمع الأممِ بالسلام الدائم.

وعلى الجانب الأخر؛ نرى رؤساء المعابد والدهاقين والكهنة يتأمرون على أرباب الحكمة وأهل الرأي وطلاب العلم والاستنارة لخرس ألسنتهم وخفض أصواتهم التي لا تبرح نعتهم بالجمود والتخلف. ثم يقوم رؤساء الكهنة باتهام خصومهم بالكُفر والتشكيك في الثوابت العقدية لإشاعة الزندقة والإلحاد والاجتراء والمجون في المجتمعات الخاضعة لسلطان الساسة وسحر الكهنة. ويحتج المتفلسفين عليهم فيسفهون من مقدّساتهم وتعاليمهم وذلك باسم العقل والحرية والتقدّم.

ويمضي محللنا المجهول موضحاً أن أفضل الدساتير الإنسانية هي التي تُعلي من علاقة التجاور المحمود بين “الأعدقاء الثلاثة”، ويجعل من العلم والعقل الناقد حكمين حتى لا يجور أحدهم على جاره، وذلك لن يحدث إلا في مجتمع الأيقاظ ومتنفس من الحرية.

ويضيف “عبدالرحمن الكواكبي” (1855-1902م) أن مودة الفيلسوف للسياسي محمودة في معظم الأحايين، والشر فيها يكمن في وجهة الفيلسوف المثالية التي يأبها الواقع وتصوراته للمجتمع، حيث يقول : (لمّا كان تعريف علم السياسة بأنه هو “إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة”، يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث “الاستبداد” أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى).

أمّا “إسماعيل مظهر” فيؤكد أنه من الخطأ الاعتقاد بأن أصحاب النظريات الفلسفية والآراء الجامحة بمنآى عن الاستبداد والتطرف، ولا سيما في ثورته على سلوك صديقيه واحتكامه للعلم تارة وقناعاته الشخصية تارة أخرى. أمّا صديقنا البحاثة “رضوان السيد” (1949م – أطال الله في عمره)؛ فيرى أن مأل صداقة الكاهن بالسياسي لا تَسلم من المخاطر والشرور، وذلك لأن مقاصدهما التي يضمرونها متنافرة, ويبدو ذلك في أربعة صور : (رغبة الكاهن في تديين السياسة أو جعلها ثيوقراطية. مصادرة الفكر السياسي والحجر عليه بحجة أن الدين قد وضع أُسس الحكم وحدّد مراميه. إخضاع الدولة لإرادة الكهنة دون أدنى اعتبار للأغيار. تأجيج الصراعات والخصومات بين المذاهب والطوائف والملل في المجتمع).

ثم سرعان ما يحلم الفيلسوف بالجمع بين الحكمة والعدالة في شخصية المستبد العادل ويظل هكذا انتظاراً لمقصلة الكاهن أو سيف السياسي.

ويناقش معلمنا “مصطفي عبد الرازق” علاقة الدين بالفلسفة في مجتمعنا الإسلامي الحديث حيث أكد وتلاميذه على خطورة تديين الفلسفة أو تفلسف الدين فلكل منهما مجاله ونهجه، وإن اجتهد الفلاسفة القدماء في تبيان خطورة تصارعهما وانعدام علة عدائهما، وذلك لأن كليهما من صنع العقل الفعّال فالدين الذي يهبط وحياً على الأنبياء فينطقون به في رسائلهم وهو يمثل الحكمة والحق في ذاته, أمّا تصورات الفلاسفة فهي إلهام أيضاً من العقل الفعّال غير أن كل واحد منهم قد فهمه وأوّله تبعاً لقدرة مخيلته وقوة قريحته وثقافة مجتمعه.  

وعليه؛ من الأفضل أن لا يحاول الفيلسوف إخضاع الحكمة الإلهية وعلم الغيب لرؤيته ونظرياته وتصوراته ونقداته. ولا ينبغي على رجل الدين أن يكفر من قادهُ إلهامه إلى نظريات وأقوال تتعارض مع ما يؤمن به ويعتنقه. وذلك لأن الثاني يمتلك الحقيقة المطلقة أما الأول فهو محب للحكمة التي أنتجها عقله من قراءاته وإلهاماته التي استقبلت وأوّلت فيوضات وتجليات العقل الفعّال أيضاً.  ومن ثم لا ينبغي على الفقيه أن يرغب عن العقل بحجة أنه زاد الفلاسفة وآليتهم في تحصيل المعارف ولا يجب على الفيلسوف أن يجحد الدين بحجة أنه يأتي بأخبار وتصورات وقيم وتعاليم لا يألفها عقله المحدود. وإذا ما تم الإخاء بينهما على النحو الذي أرتأه “ابن رشد” و”محمد عبده” من بعده؛ لحمينا الدين من الجمود وأنقذنا الفلسفة من الإجتراء والجنوح والشطط.  

ويقودنا هذا الحديث العودة ثانية لما كتبه قادة الفكر المعاصرين في مصر قبيل إدراج الفلسفة في المقررات الدراسية الثانوية والتوسع في نشرها بين المثقفين لتوظيف معارفها ومناهجها في كتاباتهم ومناقشاتهم وإبداعاتهم المختلفة.

ولعلّ “محمد حسونة” قد راق له من بين أساتذة التاريخ في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) أن يقوم بتوضيح العلاقة بين الفلسفة والسياسة مستشهداً بالواقعات التاريخية التي تثبت أن عداء الحكام للفلسفة لممارستهم للسياسة لم ينتِج سوى الاستبداد وتفكك المجتمعات من جرّاء فرط الظُلم وغواية الهوى. كما يبين أن معظم الدساتير الحديثة تستمد منطلقاتها وأسسها ومبرراتها من أقوال الفلاسفة، ولا سيما “جان جاك روسو” (1712-1778م) الذي استفاض في كتابه “العقد الاجتماعي” في البرهنة على أن الإنسان ولد حراً.

ومن ثم كان لزاماً على الأمم الناهضة مكافحة الاستبداد ونقض قلاعه وقطع سواعده، ورد الحق لأهله وبذلك يسترد الإنسان المعاصر في ظل الحرية أول حقوقه.

كما ذهب إلى أن المؤتمر المنعقد في فيلادلفيا في 4 يوليو 1776م بأمريكا الشمالية الذي كان تمهيداً لأعلان الاستقلال الأمريكي وإعلان حقوق الإنسان لم يكن سوى مردداً ومشرعاً للمبادئ التي نادى بها روسو.

ويضيف أن الخطاب الذي وجهه الفيلسوف الايرلندي ” أدموند بيرك” (1729-1797م) إلى ملكة بريطانيا (وحذر فيه من تكرار الأخطاء التي وقع فيها قادة الثورة الفرنسية والحكومة الإنجليزية وأعضاء الحكومة يهدد بقاء التاج الملكي. فاستبداد الثوار لفرنسا وظلم الحكومة لسكان الولايات الإنجليزية والتضييق على أرزاقهم بفرض الضرائب الباهظة سوف يؤدي حتماً إلى ثورة تلك الولايات على التاج الملكي ووصفه بالجور والاستبداد)، لم يكن سوى أحد النواقيس لإيقاظ حكام أوروبا من غفلتهم.

ويشيد مُفكرنا “محمد حسونة” إلى كتاب “روح القوانين” لمونتسكيو (1689-1755م) ويرى أنه سوف يظل عتبة الترشيد السياسي وسبيل الشعوب للحرية والعُمّد التي تقوم عليها الدول التي تنشد الاستقلال وإقامة العدل فيها. ويضيف مفكرنا أن ثورة المستنيرين الفرنسيين في مطلع القرن (18م) على فساد رجال الدين وقمعهم للحريات وتنكيرهم لأرباب الرأي واضطهادهم للعلماء لا يمكننا اعتبارها نهاية عصر القساوسة واستعباد الكهنة للعوام فحسب؛ بل قانون يُحرم بموجبه اقتران السياسة بالدين وارتداء الساسة لعباءة القساوسة، أو اعتلاء رجال الدين كُرسي الحكم، وإخضاع الناس لصولجان السماء الذي يمسكون به في أيديهم.

ويميز مُفكرنا بين فساد رجال الدين في الغرب الذين بددوا وحي السماء وجحدوا تعاليم المصلحين والفلاسفة وبين معظم علماء وفقهاء المسلمين الذين حرصوا في رسائلهم وخُطابهم على تأكيد سنة الله في أرضه. إذ خلق الإنسان حراً في كل تصرفاته بما في ذلك الإيمان به أو تنكره له، كما حرم الظلم على نفسه وشدد في النهي عنه، وأمر عباده بالإحسان والتسامح ونشر الأمان والسلام والتآخي بين الناس كافة؛ الأمر الذي جعل فلاسفة الإسلام لا يتحرّجون في كُتاباتهم ذنب الجور والحاكم الظالم والفقيه الفاسد والفيلسوف المضلل الراغب عن الحقيقة. وذلك كله استناداً على ما جاء في صحيح المنقول وصريح المعقول.

ويقول مفكرنا معبّراً عن ذلك (أليس الدين الأكثر بساطة، أليس الدين الذي تشمل تعاليمه أكثر ما يمكن من الأخلاق، وأقل ما يستطاع من العقائد، أليس الدين الذي يجعل الناس عادلين من غير أن يكونوا أضحوكة؟ ذلك الدين الذي لا يُحتّم على الناس أن يؤمنوا بأشياء مستحيلة ومتناقضة تمدح الخالق وتضر المخلوق في آن واحد؛ ذلك الذي لا يهدد بالويل كل من أرتكب جريمة … ولا يغرق الأرض بطوفان من الدماء البريئة تأييداً لسفسطة غير مفهومة، ولا تخضع الملوك لسلطة القساوسة؛ دين يكفي بالدعوة إلى عبادة الله وإلى العدل والتسامح والشفقة الإنسانيّة.

 (وللحديث بقيّة)

بقلم : د. عصمت نصّار

 

Share Button

By Ahram.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.